فهرس الكتاب

الصفحة 476 من 1638

دعوته: أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمرًا قبلته، وإن كرهته كفّ عنك ماتكره؟

قال أسيد: أنصفت، ثم ركز حربته، وجلس إليهما، فكلمه مصعب بالإسلام، وقرأ عليه القرآن، فقالا فيما يذكر عنهما: والله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم في إشراقه وتسهُّله، ثم قال: ما أحسن هذا الكلام وأجمله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ قالا له: تغتسل فتطهَّر وتطهِّر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق؟ ثم تصلِّي، فقام فاغتسل وطهّر ثوبيه وتشهد شهادة الحق، ثم قام فركع ركعتين، ثم قال لهما: إن ورائي رجلًا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه وسأرسله إليكم الآن: سعد بن معاذ.

ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس في ناديهم، فلما نظر إليه سعد مقبلًا قال: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بن حضير بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم!!

فما وقف على النادي قال له سعد: مافعلت؟ قال: كلمت الرجلين فوالله مارأيت بهما بأسًا، وقد نهيتهما فقالا: نفعل ما أحببت، وقد حُدِّثت أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك ليحقروك [1] .

فقام سعد مغضبًا مبادرًا مخوفًا للذي ذكر له من أمر بني حارثة، وأخذ الحربة في يده ثم قال: والله ماأراك أغنيت شيئًا، ثم خرج إليهما سعد فوجدهما مطمئنين، فعرف أن أسيدًا إنما أراد أن يسمع منهما، فوقف متشتمًا، ثم قال لأسعد بن زرارة: والله يا أبا أمامة لولا مابيني وبينك من القرابة مارُمْتَ هذا مني، أتغشانا في دارنا بما نكره وكان أسعد قد قال لمصعب: لقد جاء والله - سيد من وراءه من قومه، إن يتبعك لا يتخلف منهم اثنان، فقال له مصعب: أو تقعد فتسمع؟ فإن رضيت أمرًا ورغبت فيه قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ماتكره، فقال سعد: أنصفت، ثم ركز الحربة وجلس فعرض عليه

(1) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (1/ 442) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت