لما بايعت طلائع الخير ومواكب النور من أهل يثرب النبي - صلى الله عليه وسلم - على الإسلام والدفاع عنه ثارت ثائرة المشركين، فازدادوا ايذاءً للمسلمين، فأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - للمسلمين بالهجرة إلى المدينة وكان المقصود من الهجرة إلى المدينة إقامة الدولة الإسلامية التي تحمل الدعوة، وتجاهد في سبيلها، حتى لاتكون فتنة ويكون الدين كله لله [1] وكان التوجيه إلى المدينة من الله تعالى، عن عائشة رضي الله عنها قالت: (لما صدر السبعون من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طابت نفسه، وقد جعل الله له منعة وقومًا أهل حرب وعدة، ونجدة، وجعل البلاء يشتد على المسلمين من المشركين لما يعلمون من الخروج، فضيقوا على أصحابه وتعبثوا [2] بهم ونالوا منهم مالم يكونوا ينالون من الشتم والأذى فشكا ذلك أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واستأذنوه في الهجرة فقال:(قد أريت دار هجرتكم أريت سبخة ذات نخل بين لابتين وهما الحرتان، ولو كانت السراة أرض نخل وسباخ لقلت هي هي) ثم مكث أيامًا ثم خرج إلى أصحابه مسرورًا فقال: (قد أخبرت بدار هجرتكم، وهي يثرب، فمن أراد الخروج فيخرج إليها) فجعل القوم يتجهون ويتوافقون ويتواسون ويخرجون ويخفون ذلك، فكان أول من قدم المدينة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبو سلمة بن عبدالأسد ثم قدم بعده عامر بن ربيعة معه امرأته ليلى بنت أبي خيثمة، فهي أول ظعينة قدمت المدينة، ثم قدم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرسالًا، فنزلوا على الأنصار في دورهم فآووهم ونصروهم وآسوهم، وكان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين بقباء قبل أن يقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما خرج المسلمون في هجرتهم إلى المدينة، كلبت [3] قريش عليهم وحربوا واغتاظوا على من خرج من فتيانهم، وكان نفر من الأنصار بايعوا رسول الله
(1) انظر: الهجرة النبوية المباركة، ص 33،34.
(2) انظر: عبث: عبثًا: لعب فهو عابث لاعب لما لا يعينه. أنظر: لسان العرب (2/ 166) .
(3) كلبت قريش عليهم: أي غضبت عليهم.