ذلك بي حتى أقدمني المدينة، فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء قال: زوجك في هذه القرية، وكان أبو سلمة بها نازلًا، فادخليها على بركة الله. ثم انصرف راجعًا إلى مكة.
قال فكانت تقول: والله ما أعلم أهل بيت في الإسلام أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة، وما رأيت صاحبًا قط أكرم من عثمان بن طلحة) [1] .
فهذا مثل على الطرق القاسية التي سلكتها قريش لتحول بين أبي سلمة والهجرة، فرجل يفرق بينه وبين زوجه عنوة، وبينه وبين فلذة كبده، على مرأى منه، كل ذلك من أجل أن يثنوه عن الهجرة ولكن متى ماتمكن الإيمان من القلب، استحال أن يقدم صاحبه على الإسلام والإيمان شيئًا، حتى لو كان ذلك الشيء فلذة كبده، أو شريكة حياته لذا انطلق أبو سلمة رضي الله عنه إلى المدينة لايلوي على أحد، وفشل معه هذا الأسلوب وللدعاة إلى الله فيه أسوة [2] .
وهكذا أثر الإيمان حين يخالط بشاشة القلوب، فهذه أسرة فرق شملها، وامرأة تبكي شدة مصابها، وطفل خلعت يده وحُرِم من أبويه، وزوج وأب يسجل أروع صور التضحية والتجرد، ليكون أول مهاجر يصل أرض الهجرة، محتسبين في سبيل الله مايلقون، مصممين على المضي في طريق الإيمان والانحياز إلى كتيبة الهدى فماذا عسى أن ينال الكفر وصناديده من أمثال هؤلاء؟
وأما صنيع عثمان بن طلحة رضي الله عنه، فقد كان يومئذ كافرًا (وأسلم قبل الفتح) ، ومع ذلك تشهد له أم سلمة رضي الله عنها بكرم الصحبة، وذلك شاهد صدق
(1) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (1/ 202،203) .
(2) انظر: في السيرة النبوية، د. ابراهيم علي محمد، ص 130،131. تقسيم الأساليب أخذت من هذا الكتاب ومشاهد العظمة من الهجرة النبوية المباركة.