فعلت مافعلت، فخذ ناقتي هذه، فإنها ناقة نجيبة ذلول [1] ، فالزم ظهرها، فإن رابك من القوم ريب فانج عليها فخرج عليهما معهما، حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل: يا أخي، والله لقد استغلظت بعيري هذا، أفلا تُعقبني [2] على ناقتك هذه؟ قال: بلى. قال: فأناخ، وأناخ، ليتحول عليها، فلما استووا بالأرض عدوا عليه، فأوثقاه، ثم دخلا به مكة، وفتناه فافتتن [3] .
قال: فكنا نقول: ما الله بقابل ممن افتتن صرفًا ولا عدلًا ولاتوبة، قوم عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم قال: وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم فلما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة أنزل الله تعالى فيهم وفي قولنا وقولهم لأنفسهم {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ - وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ - وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ -} (سورة الزمر، الآيات:53 - 55) .
قال عمر بن الخطاب: فكتبتها بيدي في صحيفة، وبعثت بها إلى هشام بن العاص قال: فقال هشام: فلّما أتتني جعلت أقرؤها بذي طوى [4] أصَعَّد بها فيه، وأصَوَّبُ، ولا أفهمها، حتى قلت: اللهمَّ فهِّمنيها، قال: فألقى الله تعالى في قلبي أنها إنما أنزلت فينا، وفيما كنا نقول في أنفسنا ويقال فينا. قال: فرجعت إلى بعيري فجلست عليه، فلحقت برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو بالمدينة [5] .
(1) الذلول: أذلها العمل، فصارت سهلة الركوب والانقياد.
(2) تُعقبني: تجعلني أعقبك عليها لركوبها.
(3) انظر: السيرة النبوية الصحيحة (1/ 205) .
(4) ذو طوى: وادٍ من أودية مكة.
(5) المجمع للهيثمي (6/ 61) ، الهجرة النبوية المباركة، ص 131.