فهرس الكتاب

الصفحة 506 من 1638

هذه الحادثة تظهر لنا كيف أعد عمر رضي الله عنه خطة الهجرة له، ولصاحبيه عياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص بن وائل السهمي، وكان ثلاثتهم كل واحد من قبيلة، وكان مكان اللقاء الذي اتعدوا فيه بعيدًا عن مكة وخارج الحرم على طريق المدينة، ولقد تحدد الزمان والمكان بالضبط بحيث أنه إذا تخلف أحدهم فليمض صاحباه ولا ينتظرانه، لأنه قد حبس، وكما توقعوا، فقد حبس هشام بن العاص رضي الله عنه بينما مضى عمر وعيّاش بهجرتهما ونجحت الخطة كاملة ووصلا المدينة سالمين [1] .

إلا أن قريشًا صممت على متابعة المهاجرين ولذلك أعدت خطة محكمة قام بتنفيذها أبو جهل، والحارث وهما أخوة عياش من أمه، الأمر الذي جعل عياشًا يطمئن لهما، وبخاصة إذا كان الأمر يتعلق بأمه، فاختلق أبو جهل هذه الحيلة لعلمه بمدى شفقة ورحمة عياش بأمه، والذي ظهر جليًا عندما أظهر موافقته على العودة معهم، كما تظهر الحادثة الحس الأمني الرفيع الذي كان يتمتع به عمر رضي الله عنه، حيث صدقت فراسته في أمر الاختطاف [2] .

كما يظهر المستوى العظيم من الأخوة التي بناها الإسلام في هذه النفوس، فعمر يضحي بنصف ماله حرصًا على سلامة أخيه، وخوفًا عليه من أن يفتتنه المشركون بعد عودته، ولكن غلبت عياش عاطفته نحو أمه، وبره بها ولذلك قرر أن يمضي لمكة فيبر قسم أمه ويأتي بماله هناك، وتأبى عليه عفته أن يأخذ نصف مال أخيه عمر رضي الله عنه وماله قائم في مكة لم يمس، غير أن أفق عمر رضي الله عنه كان أبعد، فكأنه يرى رأي العين المصير المشؤوم الذي سينزل بعياش لو عاد إلى مكة، وحين عجز عن إقناعه أعطاه ناقته الذلول النجيبة، وحدث لعياش ماتوقعه عمر من غدر المشركين

(1) انظر: التربية القيادية (2/ 159) .

(2) انظر: في السيرة النبوية، ص 134.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت