من الأرض فيكون رهنًا بدينه فلا يغلق رهنه ولا تخفر ذمته، وإن أحدهم ليبلغه أن رجلًا استجار به وعسى أن يكون نائيًا عن داره، فيصاب فلا يرضى حتى يفنى تلك القبيلة التي أصابته أو تفنى قبيلته لما أخفر من جواره، وأنه ليلجأ إليهم المجرم المحدث من غير معرفة ولا قرابة فتكون أنفسهم دون نفسه وأموالهم دون ماله) [1] .
والوفاء خلق متأصل بالعرب فجاء الاسلام ووجهه الوجهة السليمة فغلظ على من آوى محدثًا مهما كانت منزلته وقرابته. قال - صلى الله عليه وسلم: (لعن الله من آوى محدثًا) [2] ومن القصص الدالة على وفائهم [3] : (أن الحارث بن عباد قاد قبائل بكر لقتال تغلب وقائدهم المهلهل الذي قتل ولد الحارث وقال:(بؤ بشسع نعل كليب) في حرب البسوس، فأسر الحارث مهلهلًا وهو لايعرفه فقال دلني على مهلهل بن ربيعة وأخلي عنك فقال له: عليك العهد بذلك إن دللتك عليه، قال: نعم. قال: فأنا هو، فجز ناصيته وتركه) وهذا وفاء نادر ورجولة تستحق الإكبار [4] ومن وفائهم: (أن النعمان بن المنذر خاف على نفسه من كسرى لما منعه من تزويج ابنته فأودع أسلحته وحرمه الى هاني بن مسعود الشيباني، ورحل الى كسرى فبطش به، ثم ارسل الى هانئ يطلب منه ودائع النعمان، فأبى، فسير إليه كسرى جيشًا لقتاله فجمع هانئ قومه آل بكر وخطب فيهم فقال:(يامعشر بكر، هالك معذور، خير من ناج فرور، إن الحذر لاينجي من قدر، وإن الصبر من اسباب الظفر، المنية ولا الدنية، استقبال الموت خير من استدباره، الطعن في ثغر النحور، أكرم منه في الأعجاز والظهور، ياآل بكر قاتلوا فما المنايا من بد) [5] ،
(1) بلوغ الأرب (1/ 150) .
(2) رواه مسلم، كتاب الاضاحي رقم 1978.
(3) انظر: مدخل لفهم السيرة، ص 90.
(4) نفس المصدر، ص 91.
(5) تاريخ الطبري عن يوم ذي قار (2/ 207) .