فهرس الكتاب

الصفحة 513 من 1638

يبذلون المال والحب والخدمات لإخوانهم القادمين إليهم، نحن أمام مجتمع إسلامي بلغ الذروة في لحمته وانصهاره ولم يكن المهاجرون إلا القدوة للأنصار بالبذل والعطاء، فلم يكونوا أصلًا فقراء، بل كانوا يملكون المال، ويملكون الدار وتركوا ذلك كله ابتغاء مرضات الله، وبذلوه كله لطاعته جل وعلا، فكانوا كما وصفهم القرآن الكريم: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} (سورة الحشر، الآية:8) .

كان هذا المجتمع المدني الجديد يتربى على معاني الإيمان والتقوى ولم يصل النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد، ولكن تحت إشراف النقباء الإثنى عشر الذين كانوا في كفالتهم لقومهم ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم، وبإشراف قيادات المهاجرين الكبرى التي وصلت المدينة والذين استقوا جميعًا من النبع النبوي الثر، واقتبسوا من هديه [1] .

ومن معالم هذا المجتمع الجديد ذوبان العصبية، فقد كان إمام المسلمين سالم مولى أبي حذيفة رضي الله عنه، لأنه كان أكثرهم قرآنًا، فهذا المجتمع الذي يوجد فيه علية أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - من المهاجرين والأنصار وسادة العرب من قريش والأوس والخزرج يقوده ويؤمه حامل القرآن، فالكرامة العليا فيه لقارئ كتاب الله وحامله، وحامل القرآن في المجتمع الإسلامي هو نفسه حامل اللواء في الحرب، فليس بينهما ذلك الانفصام الذي نشهده اليوم من حملة القرآن من الحفاظ، وبين المجاهدين في سبيل الله، فقد كان حامل لواء المهاجرين في معركة اليمامة سالم مولى أبي حذيفة وكان شعاره بئس حامل القرآن - يعني إن فررت - فقطعت يمينه، فأخذ اللواء بيساره، فقطعت، فاعتنقه إلى أن صرع واستشهد في سبيل الله [2] .

(1) انظر: التربية القيادية (2/ 171،172) .

(2) نفس المصدر (1/ 174،175) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت