ومن معالم المجتمع الإسلامي الجديد: حرية الدعوة إلى الله علانية، فقد أصبح واضحًا عند الجميع أن معظم قيادات يثرب دخلت في هذا الدين، ونشط الشباب والنساء والرجال في الدعوة إلى الله، والتبشير بقدوم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على قدم وساق.
ولابد من المقارنة بين المجتمع الذي قام بالحبشة من المسلمين، وبين المجتمع الإسلامي في يثرب، لقد كانت الحبشة تحمل طابع اللجوء السياسي، والجالية الأجنبية، أكثر مما كانت تحمل طابع المجتمع الإسلامي الكامل، صحيح أن المسلمين ملكوا حرية العبادة هناك، لكنهم معزولون عن المجتمع النصراني، لم يستطيعوا أن يؤثروا فيه التأثير المنشود وإن كانت هجرة الحبشة خطوة متقدمة على جو مكة، حيث لاتتوفر حرية الدعوة وحرية العبادة، ولكنه دون المجتمع الإسلامي في المدينة بكثير ولذلك شرع مهاجري الحبشة بمجرد سماع خبر هجرة المدينة بالتوجه نحوها مباشرة أو عن طريق مكة إلا من طلبت منه القيادة العليا البقاء هناك، لقد أصبحت المدينة مسلمة بعد أن عاشت قرونًا وثنية مشركة.
لقد أصبح المجتمع المدني مسلمًا وبدأ نموه وتكوينه الفعلي بعد عودة الإثنى عشر صحابيًا في البيعة الأولى، والتي كان على رأسها الصحابي الجليل أسعد بن زرارة والتي حملت المسؤولية الدعوية فقط، دون الوجود السياسي، وبلغ أوج توسعه وبنائه بعد عودة السبعين الذين ملكوا الشارع السياسي والاجتماعي وقرروا أن تكون بلدهم عاصمة المسلمين الأولى في الأرض، وهم على استعداد أن يواجهوا كل عدو خارجي يمكن أن ينال من هذه السيادة حتى قبل قدوم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليهم في المدينة.
إن القاعدة الصلبة التي بذل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقتًا وجهدًا في تربيتها بدأت تعطي ثمارها أكثر بعد أن التحمت بالمجتمع المدني الجديد وانصهر كلاهما في معاني العقيدة وإخوة الدين.