لقد أعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأفراد وصقلهم في بوتقة الجماعة وكوّن بهم القاعدة الصلبة ولم يقم المجتمع الإسلامي الذي تقوم عليه الدولة إلا بعد بيعة الحرب وبذلك نقول بأن المجتمع الإسلامي قام بعدما تهيأت القوة المناسبة لحمايته في الأرض [1] .
وهكذا انتقلت الجماعة المسلمة المنظمة القوية إلى المدينة والتحمت مع إخوانها الأنصار وتشكل المجتمع المسلم الذي أصبح ينتظر قائده الأعلى عليه الصلاة والسلام ليعلن ولادة دولة الإسلام التي صنعت فيما بعد حضارة لم يعرف التاريخ مثلها حتى يومنا هذا.
سادسًا: لماذا اختيرت المدينة كعاصمة للدولة الإسلامية؟
كان من حكمة الله تعالى في اختيار المدينة، دارًا للهجرة، ومركزًا للدعوة هذا عدا ما أراده الله من إكرام أهلها، أسرار لايعلمها إلا الله، إنها امتازت بتحصن طبيعي حربي، لاتزاحمها في ذلك مدينة قريبة في الجزيرة، فكانت حرة الوبرة، مطبقة على المدينة من الناحية الغربية وحرة واقم، مطبقة على المدينة من الناحية الشرقية، وكانت المنطقة الشمالية من المدينة، هي الناحية الوحيدة المكشوفة (وهي التي حصنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالخندق سنة خمس في غزوة الأحزاب) وكانت الجهة الأخرى من أطراف المدينة محاطة بأشجار النخيل والزروع الكثيفة، لايمر منها الجيش إلا في طرق ضيقة لا يتفق فيها النظام العسكري، وترتيب الصفوف.
وكانت خفارات عسكرية صغيرة، كافية بإفساد النظام العسكري ومنعه من التقدم، يقول ابن اسحاق: (كان أحد جانبي المدينة عورة، وسائر جوانبها مشككة بالبنيان والنخيل، لايتمكن العدو منها) [2] .
(1) انظر: التربية القيادية (1/ 146،147) .
(2) انظر: السيرة النبوية للندوي، ص 157.