فهرس الكتاب

الصفحة 516 من 1638

ولعل النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أشار إلى هذه الحكمة الإلهية في اختيار المدينة بقوله لأصحابه قبل الهجرة: (إني رأيت دار هجرتكم، ذات نخيل بين لابتين وهما الحرتان) [1] ، فهاجر من هاجر قبل المدينة.

وكان أهل المدينة من الأوس والخزرج أصحاب نخوة وإباء وفروسية وقوة وشكيمة ألفوا الحرية، ولم يخضعوا لأحد، ولم يدفعوا إلى قبيلة أو حكومة إتاوة أو جباية، يقول ابن خلدون: ولم يزل هذان الحيان قد غلبوا على يثرب، وكان الاعتزاز والمنعة تعرف لهم في ذلك، ويدخل في ملتهم من جاورهم من قبائل مضر.

وكان بنو عدي بن النجار أخواله - صلى الله عليه وسلم -، فأم عبدالمطلب بن هاشم بن عدي بن النجار إحدى نسائهم، فقد تزوج هاشم بسلمى بنت عمرو أحد بني عدي بن النجار، وولدت لهاشم عبدالمطلب، وتركه هاشم عندها، حتى صار غلامًا دون المراهقة، وتركه عمه المطلب، فجاء به إلى مكة، وكانت الأرحام يحسب لها حساب كبير في حياة العرب الإجتماعية، ومنهم أبو أيوب الأنصاري الذي نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في داره في المدينة.

وكان الأوس والخزرج من قحطان، والمهاجرون ومن سبق إلى الإسلام في مكة وماحولها من عدنان ولما هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، وقام الأنصار بنصره اجتمعت بذلك عدنان وقحطان تحت لواء الإسلام، وكانوا كجسد واحد، وكانت بينهما مفاضلة ومسابقة في الجاهلية، وبذلك لم يجد الشيطان سبيلًا إلى قلوبهم لإثارة الفتنة والتعزي بعزاء الجاهلية باسم الحمية القحطانية أو العدنانية، فكانت لكل ذلك مدينة يثرب أصلح مكان لهجرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه واتخاذهم لها دارًا وقرارًا، حتى يقوى الإسلام

(1) انظر: الهجرة النبوية المباركة، ص 52.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت