قال سيد في تفسيره للآيات التي تتحدث عن مكر المشركين بالنبي - صلى الله عليه وسلم: (إنه التذكير بما كان في مكة، قبل تغير الحال، وتبدل الموقف. وإنه ليوحي بالثقة واليقين في المستقبل، كما ينبه إلى تدبير قدر الله وحكمته فيما يقضي به ويأمر .. ولقد كان المسلمون الذين يخاطبون بهذا القرآن أول مرة، يعرفون الحالين معرفة الذي عاش ورأى وذاق وكان يكفي أن يذكروا بهذا الماضي القريب، وماكان فيه من خوف وقلق، في مواجهة الحاضر الواقع ومافيه من أمن وطمأنينة، وماكان من تدبير المشركين ومكرهم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مواجهة ماصار إليه من غلبة عليهم، لا مجرد النجاة منهم.
لقد كانوا يمكرون ليوثقوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويحبسوه حتى يموت، أو ليقتلوه ويتخلصوا منه، أو ليخرجوه من مكة منفيًا مطرودًا .. ولقد ائتمروا بهذا كله ثم اختاروا قتله، على أن يتولى ذلك المنكر فتية من القبائل جميعًا، ليتفرق دمه في القبائل، ويعجز بنو هاشم عن قتل العرب كلها، فيرضوا بالدية وينتهي الأمر.
{وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} .
إنها صورة ساخرة، وهي في الوقت ذاته صورة مفزعة .. فأين هؤلاء البشر الضعاف المهازيل، من تلك القدرة القادرة .. قدرة الله الجبار، القاهر فوق عباده، الغالب على أمره، وهو بكل شيء محيط [1] .
ثانيًا: الترتيب النبوي للهجرة:
عن عائشة أم المؤمنين قالت: كان لايخطئ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار، إما بكرة، وإما عشية، حتى إذا كان اليوم الذي أذن فيه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الهجرة، والخروج من مكة من بين ظهري قومه، أتانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
(1) انظر: في ظلال القرآن (3/ 1501) .