ولو إجمالًا فضلًا عن الاطلاع على تفاصيل أحوالها من كم وكيف ونسبة [1] .
خامسًا: عناية الله سبحانه وتعالى ورعايته لرسوله - صلى الله عليه وسلم:
بالرغم من كل الأسباب التي اتخذها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنه لم يرتكن إليها مطلقًا، وإنما كان كامل الثقة في الله، عظيم الرجاء في نصره وتأييده، دائم الدعاء بالصيغة التي علمه الله إياها [2] ، قال تعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا} (سورة الإسراء، الآية:80) .
وفي هذه الآية الكريمة دعاء يعلمه الله لنبيه ليدعوه به، ولتتعلم أمته كيف تدعو الله وكيف تتجه إليه؟ دعاء بصدق المدخل وصدق المخرج، كناية عن صدق الرحلة كلها، بدئها وختامها، أولها وآخرها ومابين الأول والآخر، وللصدق هنا قيمته بمناسبة ماحاوله المشركون من فتنته عما أنزله الله عليه ليفتري على الله غيره. وللصدق كذلك ظلاله: ظلال الثبات والاطمئنان والنظافة والإخلاص، {وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا} قوة وهيبة استعلى بهما على سلطان الأرض وقوة المشركين، وكلمة {مِنْ لَدُنْكَ} تصور القرب والاتصال بالله والاستمداد من عونه مباشرة واللجوء إلى حماه.
وصاحب الدعوة لايمكن أن يستمد السلطان إلا من الله، ولايمكن أن يهاب إلا بسلطان الله، لايمكن أن يستظل بحاكم أو ذي جاه فينصره ويمنعه مالم يكن اتجاهه قبل ذلك إلى الله. والدعوة قد تغزو قلوب ذوي السلطان والجاه، فيصبحون لها جندًا وخدمًا فيفلحون، ولكنها هي لاتفلح إن كانت من جند السلطان وخدمه، فهي من أمر الله، وهي أعلى من ذوي السلطان والجاه [3] .
(1) تفسير ابي السعود (9/ 60) .
(2) انظر: الهجرة النبوية المباركة، ص 72.
(3) في ظلال القرآن (4/ 2247) .