فكان يوم فرح وابتهاج لم تر المدينة يومًا مثله، ولبس الناس أحسن ملابسهم كأنهم في يوم عيد، ولقد كان حقًا يوم عيد، لأنه اليوم الذي انتقل فيه الاسلام من ذلك الحيز الضيق في مكة الى رحابة الانطلاق والانتشار بهذه البقعة المباركة المدينة، ومنها الى سائر بقائع الأرض لقد أحس أهل المدينة بالفضل الذي حباهم الله به، وبالشرف الذي اختصهم به أيضًا، فقد صارت بلدتهم موطنًا لإيواء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصحابته المهاجرين، ثم لنصرة الاسلام كما أصبحت موطنًا للنظام الإسلامي العام التفصيلي بكل مقوماته، ولذلك خرج أهل المدينة يهللون في فرح وابتهاج ويقولون يارسول الله يامحمد يارسول الله [1] .
روى الإمام مسلم بسنده قال: (عندما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة، صعد الرجال والنساء فوق البيوت وتفرق العلماء والخدم في الطرق ينادون يامحمد، يارسول الله، يامحمد، يارسول الله!!) [2] .
وبعد هذا الاستقبال الجماهيري العظيم الذي لم يرد مثله في تاريخ الإنسانية، سار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى نزل في دار أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه -، فعن أنس - رضي الله عنه - في حديث الهجرة الطويل وفيه: (فأقبل يسير حتى نزل جانب دار أبي أيوب فإنه ليحدث أهله [3] إذ سمع به عبدالله بن سلام وهو في نخل لأهله يخترف [4] لهم فجعل أن يضع الذي يخترف لهم فيها، فجاء فسمع من نبي الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم رجع الى أهله فقال نبي الله - صلى الله عليه وسلم - أي بيوت أهلنا [5] أقرب، فقال أبو أيوب أنا يانبي الله هذه داري وهذا بابي، قال فانطلق
(1) انظر: الهجرة في القرآن الكريم، ص 353.
(2) مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب حديث الهجرة، رقم 2009.
(3) الضمير هنا للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فتح الباري (7/ 251) .
(4) يخترف: أي يجتبي من ثمارها. انظر: النهاية (2/ 24) .
(5) انظر: الهجرة في القرآن الكريم، ص 354.