فهرس الكتاب

الصفحة 551 من 1638

ورق السمر -وهو الخبط- أربعة أشهر). لقد كان يدرك بثاقب بصره - رضي الله عنه - وهو الذي تربى ليكون قائدًا، أن لحظة الهجرة صعبة قد تأتي فجأة ولذلك هيأ وسيلة الهجرة، ورتب تموينها، وسخر أسرته لخدمة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعندما جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخبره إن الله قد أذن له في الخروج والهجرة، بكا من شدة الفرح وتقول عائشة رضي الله عنها في هذا الشأن: فوالله ماشعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدًا يبكي من الفرح حتى رأيت ابابكر يبكي يومئذ، إنها قمة الفرح البشري؛ أن يتحول الفرح الى بكاء، كما قال الشاعر عن هذا:

ورد الكتاب من الحبيب بأنه

سيزورني فاستعبرت أجفاني

غلب السرور عليّ حتى إنني

من فرط ماقد سرني أبكاني

ياعين صار الدمع عندك عادة

تبكين من فرح ومن أحزاني

فالصديق - رضي الله عنه - يعلم أن معنى هذه الصحبة، أنه سيكون وحده برفقة رسول رب العالمين بضعة عشرة يومًا على الأقل وهو الذي سيقدم حياته لسيده وقائده وحبيبه المصطفى - صلى الله عليه وسلم - فأي فوز في هذا الوجود يفوق هذا الفوز: إن يتفرد الصديق وحده من دون أهل الأرض ومن دون الصحب جميعًا برفقه سيد الخلق وصحبته كل هذه المدة [1] ، وتظهر معاني الحب في الله في خوف أبي بكر وهو في الغار من أن يراهما المشركون ليكون الصديق مثلًا لما ينبغي أن يكون عليه جندي الدعوة الصادق مع قائده الأمين حين يحدق به الخطر من خوف وإشفاق على حياته؛ فما كان أبوبكر ساعتئذ بالذي

(1) انظر: التربية القيادية (2/ 191،192) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت