ترك أعمالهم، وكان موقف يهود المدينة موقف المشارك لسكانها في الفرحة ظاهرًا، والمتألم من منافسة الزعامة الجديدة باطنًا، أما فرحة المؤمنين بلقاء رسولهم، فلا عجب فيها، وهو الذي أنقذهم من الظلمات الى النور، بإذن ربهم الى صراط العزيز الحميد، وأما موقف اليهود فلا غرابة فيه، وهم الذين عرفوا بالملق والنفاق للمجتمع الذي فقدوا السيطرة عليه، وبالغيظ والحقد الأسود ممن يسلبهم زعامتهم على الشعوب، ويحول بينهم وبين سلب آمالهم باسم القروض، وسفك دمائها باسم النصح والمشورة، ومازال اليهود يحقدون على كل من يخلص الشعوب من سيطرتهم، وينتهون من الحقد الى الدس والمؤامرات، ثم الى الاغتيال إن استطاعوا، ذلك دينهم، وتلك جبلتهم [1] .
ويستفاد من استقبال المهاجرين والأنصار لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - مشروعية استقبال الأمراء والعلماء، عند مقدمهم بالحفاوة والإكرام، فقد حدث ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان هذا الإكرام وهذه الحفاوة نابعين من حب للرسول بخلاف مانراه من استقبال الزعماء والحكام في عالمنا المعاصر، ويستفاد كذلك التنفاس في الخير وإكرام ذوي العلم والشرف، فقد كانت كل قبيلة تحرص أن تستضيف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتعرض أن يكون رجاله حُراسًا له، ويؤخذ من هذا إكرام العلماء والصالحين، واحترامهم وخدمتهم [2] .
18 -مقارنة بين الهجرة والإسراء والمعراج:
كانت الهجرة النبوية الشريفة على النحو الذي كانت عليه، وسارت على الوضع الذي يسلكه كل مهاجر، حتى توجد القدوة، وتتحقق الأسوة، ويسير المسلمون على نهج مألوف، وسبيل معروف، ولذلك، فلم يرسل الله عزوجل- له - صلى الله عليه وسلم - البراق ليهاجر عليه كما حدث في ليلة الإسراء، مع أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - في يوم هجرته أحوج إلى البراق منه
(1) انظر: السيرة النبوية للسباعي، ص 43؛ الهجرة في القرآن الكريم، ص 367.
(2) انظر: السيرة النبوية لأبي فارس، ص 358،359.