فيها، فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولانار، فإذا دفنتموني فشنوا [1] علي التراب شنًا، ثم أقيموا حول قبري قدر ماتنحر جزور ويقسم لحمها، حتى أستأنس بكم، وانظر ماذا أراجع به رسل ربي [2] .
قال النووي فيه: عظم موقع الإسلام والهجرة والحج، وإن كل واحد منهما يهدم ماكان قبله من المعاصي، وفيه استحباب تنبيه المحتضر على إحسان ظنه بالله سبحانه وتعالى، وذكر آيات الرجاء وأحاديث العفو عنده، وتبشيره بما أعده الله تعالى للمسلمين، وذكر حسن أعماله عنده ليحسن الظن بالله تعالى ويموت عليه، وهذا الأدب، مستحب بالإتفاق [3] .
3 -ارتفاع منزلتهم وعظمة درجتهم عند ربهم:
وعد الله - سبحانه وتعالى - للذين نالوا أفضل الإيمان والهجرة، والجهاد في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم الدرجات عند الله، قال تعالى: {الَّذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} (سورة التوبة، الآية:20) .
يقول الفخر الرازي: إن الموصوفين بهذه الصفات الأربعة في غاية الجلالة والرفعة، لأن الإنسان ليس له إلا مجموع أمور ثلاثة: الروح، والبدن، والمال، أما الروح فلما زال عنه الكفر وحصل فيه الإيمان، فقد وصل إلى مراتب العادات اللائقة بها، وأما البدن والمال فبسبب الهجرة وقعا في النقصان وبسبب الاشتغال بالجهاد صارا معرضين للهلاك والبطلان، ولاشك أن كلا من النفس والمال محبوب للإنسان، والإنسان لايعرض
(1) فشنوا علي التراب: الصب المنقطع بالشين والعن الصب المتواصل؛ الهجرة في القرآن الكريم، ص 136.
(2) مسلم، كتاب الايمان، باب كون الاسلام يهدم ماقبله رقم 192.
(3) انظر: شرح النووي لصحيح مسلم (2/ 125) بتصرف؛ الهجرة في القرآن الكريم، ص 138.