الإحسان، وهو أعلى النعم وأكمل الجزاء [1] ، كما يدل على ذلك قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (سورة التوبة، الآية:72) .
ورضى الله عنهم هو الرضى الذي تتبعه المتوبة، وهو في ذاته أعلى وأكرم مثوبة، ورضاهم عن الله هو الاطمئنان إليه على نعمائه، والصبر على ابتلائه. ولكن التعبير بالرضى هنا وهناك يشيع جو الرضى الشامل الغامر، المتبادل الوافر، الوارد الصادر، بين الله سبحانه وتعالى وهذه الصفوة المختارة من عباده، ويرفع من شأن هذه الصفوة - من البشر حتى ليبادلون ربهم الرضى، وهو ربهم الأعلى، وهم عبيده المخلقون .. وهو حال وشأن وجو لاتملك الألفاظ البشرية أن تعبر عنه، ولكن يتسم ويتشرف ويستجلي من خلال النص القرآني بالروح المتطلع والقلب المتفتح والحس الموصول [2] .
هذا بعض ماواعد الله به المهاجرين من الجزاء والثواب بسبب جهادهم المرير.
إن المهاجرين بإيمانهم الراسخ، ويقينهم الخالص لم يمكنوا الجاهلية في مكة من وأد الدعوة، وهي في مستهل حياتها، لقد استمسكوا بما أوحى إلى نبيهم ولم تزدهم حماقة قريش إلاّ اعتصامًا بما اهتدوا إليه وآمنوا به، فلما أسرفت الجاهلية في عسفها واضطهادها وأذن الله لهؤلاء المؤمنين الصابرين بالهجرة من مكة خرجوا من ديارهم وأموالهم، ويمموا صوب المدينة ليس رهبة من الكفر ولا رغبة في الدنيا، ولكنهم كانوا بذلك يرجون رحمة الله ويبتغون فضلًا منه ورضوانًا لذلك صاروا أهلًا لما أسبغه الله عليهم من فضل في الدنيا، وما أعده لهم يوم القيامة من ثواب عظيم [3] .
(1) تفسير ابن كثير (2/ 320) ، تفسير المراغي (10/ 79) ؛ الهجرة في القرآن الكريم، ص 144.
(2) في ظلال القرآن (3/ 1705) .
(3) انظر: هجرة الرسول وصحابته في القرآن والسنّة للجمل، ص 332،333.