ثالثًا: الوعيد للمتخلفين عن الهجرة:
إن الأسلوب القرآني في الوعد والوعيد يهدف إلى الخشية والرجاء في النفوس، رجاء يدفعها إلى الطاعة والاستقامة، وخشية تمنعها من المعصية وتسرع بها إلى الاستغفار والتوبة، والمؤمن بينهما في معادلة جد دقيقة لئلا يقع فريسة لليأس والقنوط، ولايندفع إلى الجراءة على محارم الله، أو التهاون فيما أمر الله، ولقد استطاع القرآن الكريم بسلاحيه هذين أن يحفظ للفرد شخصيته، وللمجتمع مقوماته في الحياة والمال والعقل والعرض والدين [1] ، وهي كليات تقوم عليها الحياة الرشيدة الفاضلة، ولقد رأت الحياة النور في أجيال عديدة أنارها القرآن بالوعد والرجاء، وبالوعيد والخشية، ولما خفت ذلك النور ببعد الناس عن القرآن اصطدم الفرد بفطرته والمجتمع بواقعه، فاضطربت القيم، وانهارت الأخلاق، وفسدت المعاملات والمناهج والتصورات، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وأن تخشى الله لاتخشى سواه، وأن ترجوه لاترجو إلا إياه [2] .
ومن العقوبات التي توعد الله عزوجل - للمتخلفين عن الهجرة سوء المصير، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} (سورة النساء: الآية:97) .
روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن ناسًا من المسلمين كانوا مع المشركين، يكثرون سوادهم على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يأتي السهم فيرمى به فيصيب أحدهم فيقتله، أو يضرب عنقه فيقتل فأنزل الله: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي
(1) ولاشك أن سلطان الدولة المسلمة يحافظ على مقاصد الشريعة.
(2) انظر: تفسير سورة فصلت، د. محمد صالح علي، دار النفائس، ص 98 نقلًا عن الهجرة في القرآن الكريم، ص 151.