التزم الصحابة بأمر الله وانضموا إلى المجتمع الإسلامي في المدينة تنفيذًا لأمر الله وخوفًا من عقابه وكان لهذا الوعيد أثره في نفوس الصحابة رضي الله عنهم، فهذا ضمرة بن جندب لما بلغه قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} وهو بمكة قال لبنيه: احملوني فإني لست من المستضعفين، وإني لأهتدي الطريق، وإني لا أبيت الليلة بمكة، فحملوه على سرير، متوجهًا إلى المدينة وكان شيخًا كبيرًا، فمات بالتنعيم، ولما أدركه الموت أخذ يصفق بيمينه على شماله، ويقول: اللهم هذه لك وهذه لرسولك - صلى الله عليه وسلم -، أبايعك على مابايع عليه رسولك، ولما بلغ خبر موته الصحابة - رضي الله عنهم - قالوا: ليته مات بالمدينة، فنزل [1] قوله تعالى: {إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلًا - فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا -} (سورة النساء، الآيتان:98 - 99) .
وهذا الموقف يرينا ماكان عليه جيل الصحابة من سرعة في امتثال الأمر، وتنفيذه في النشاط والشدة، كائنة ماكانت ظروفهم، فلا يلتمسون لأنفسهم المعاذير، ولايطلبون الرخص [2] .
فهذا الصحابي تفيد بعض الروايات أنه كان مريضًا [3] إلا أنه رأى أنه مادام له مال يستعين به ويحمل به إلى المدينة، فقد انتفى عذره، وهذا فقه أملاه الإيمان، وزكاه الإخلاص واليقين [4] .
وبعد أن ذكر الله - عزوجل - وعيده للمتخلفين عن الهجرة بسوء مصيرهم، استثنى في ذلك من لاحيلة لهم في البقاء في دار الكفر، والتعرض للفتنة في الدين،
(1) روح المعاني (5/ 128،129) للألوسي، أسباب النزول للواحدي، ص 181.
(2) انظر: الهجرة النبوية المباركة، ص 124.
(3) نفس المصدر، ص 125.
(4) المصدر السابق، ص 126.