فوالذي نفسي حليمة بيده لقطعَتْ الركب [1] حتى إن النسوة ليقلن: أمسكي علينا، أهذه أتانك التي خرجت عليها؟ فقلت: نعم، فقالوا: إنها كانت أدمت حين أقبلنا فما شأنها؟ قالت، فقلت: والله حملت عليه غلامًا مباركًا.
قالت: فخرجنا، فما زال يزيدنا الله في كل يوم خيرًا، حتى قدمنا والبلاد سِنةُ، ولقد كان رعاتنا يسرحون ثم يريحون، فتروح أغنام بني سعد جياعًا، وتروح غنمي بطانًا [2] ، حفلًا [3] ، فنحلب، ونشرب، فيقولون اما شأن غنم الحارث بن عبدالعزى، وغنم حليمة تروح شباعًا حفلًا، وتروح غنمكم جياعًا. ويلكم اسرحوا حيث تسرح غنم رعاؤهم، فيسرحون معهم، فما تروح إلا جياعًا كما كانت، وترجع غنمي كما كانت.
قالت: وكان يشب شبابًا ما يشبه أحد من الغلمان، يشب في اليوم شباب السنة، فلما استكمل سنتين أقدمناه مكة، أنا وأبوه، فقلنا: والله لانفارقه أبدًا ونحن نستطيع، فلما أتينا أمه، قلنا: أي ظئر! والله ما رأينا صبيًا قط أعظم بركة منه، وإنا نتخوف عليه وباء [4] مكة وأسقامها، فدعيه نرجع به حتى تبرئي من دائك، فلم نزل بها حتى أذنت، فرجعنا به، فأقمنا أشهرًا ثلاثة أو أربعة فبينما هو يلعب خلف البيوت هو وأخوه في بُهْم له [5] ، إذ أتى أخوه يشتدُّ، وأنا وأبوه في البدن، فقال: إن أخي القرشي، أتاه رجلان عليهما ثياب بيض، فأخذاه واضطجعاه، فشقّا بطنه، فخرجت أنا وابوه يشتدُّ، فوجدناه قائمًا، قد انتقع لونه [6] ، فلما رآنا أجهش إلينا، وبكى، قالت: فالتزمته أنا وأبوه، فضممناه إلينا:
(1) قطعت الركب: سبقت الركب.
(2) بطانا: الممتلئة البطون.
(3) حفلًا: كثيرات اللبن.
(4) الوباء: المرض.
(5) البهم: صغار الضأن والماعز.
(6) امتقع لونه: تغير.