الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ -(الأنفال، الآيات
5 -8)وقد أجمع قادة المهاجرين على تأييد فكرة التقدم لملاقاة العدو [1] وكان للمقداد بن الأسود موقفًا متميزًا، فقد قال عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه: شهدت من المقداد بن الأسود مشهدًا لأن أكون صاحبه أحب إليَّ مما عُدِلَ به [2] :أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يدعو على المشركين فقال: لانقول كما قال قوم موسى: {قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} (المائدة، 24) . ولكن نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك.
فرأيت الرسول أشرق وجهه وسره [3] وفي رواية [4] قال المقداد: يارسول الله، لانقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: (فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون) ولكن امضي ونحن معك، فكأنه سُرى عن رسول الله.
وبعد ذلك عاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: (أشيروا عليَّ أيها الناس) وكان إنما يقصد الأنصار، لأنهم غالبية جنده، ولأن بيعة العقبة الثانية لم تكن في ظاهرها ملزمة لهم بحماية الرسول - صلى الله عليه وسلم - خارج المدينة، وقد أدرك الصحابي سعد بن معاذ، وهو حامل لواء الانصار، مقصد النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك فنهض قائلًا: (والله لكانك تريدنا يارسول الله؟ قال - صلى الله عليه وسلم -(أجل) ، قال: (لقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ماجئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامضي يارسول الله لما أردت، فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ماتخلف منا
(1) انظر: موسوعة نظرة النعيم (1/ 288) .
(2) المبالغة في عظمة ذلك المشهد، وأنه كان لو خير بين أن يكون صاحبه وبين أن يحصل له مايقابل ذلك لكان حصوله أحب إليه.
(3) البخاري، كتاب المغازي (7/ 287) .
(4) البخاري، كتاب التفسير (8/ 273) .