فهم اليوم بمكان كذا وكذا -للمكان الذي به جيش المسلمين- وبلغني أن قريشًا خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا -للمكان الذي فيه جيش المشركين فعلًا- ثم قال الشيخ: لقد أ خبرتكما عما أردتما، فأخبراني: ممن أنتما؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: نحن من ماء. ثم انصرف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبوبكر عن الشيخ، وبقي هذا الشيخ يقول: مامن ماء؟ أمن ماء العراق [1] .
وفي مساء ذلك اليوم الذي خرج فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبوبكر، أرسل عليه الصلاة والسلام عليّ بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، في نفر من أصحابه الى ماء بدر يتسقطون له الأخبار عن جيش قريش، فوجدوا غلامين يستقيان لجيش المشركين فأتوا بهما الى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال لهما: أخبراني عن جيش قريش، فقالا هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى. فقال لهما: كم القوم؟ قالا: كثير. قال: ماعدتهم؟ قالا: لاندري. قال الرسول - صلى الله عليه وسلم: كم ينحرون كل يوم؟ قال: يومًا تسعًا ويومًا عشرًا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (القوم مابين التسعمائة والألف) فقال لهما: فمن فيهم من أشراف قريش؟ فذكرا عتبة بن ربيعة وشيبة وأباجهل وأمية بن خلف في آخرين من صناديد قريش، فأقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الى أصحابه قائلًا: (هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها) [2] .
كان من هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - حرصه على معرفة جيش العدو والوقوف على أهدافه ومقاصده، لأن ذلك يعينه على رسم الخطط الحربية المناسبة لمجابهته وصدّ عدوانه، فقد كانت اساليبه في غزوة بدر في جمع المعلومات تارة بنفسه وأخرى بغيره وكان - صلى الله عليه وسلم - يطبق مبدأ الكتمان في حروبه، فقد ارشد القرآن الكريم المسلمين الى أهمية هذا المبدأ
(1) انظر: سيرة ابن هشام (2/ 228) .
(2) مسلم (3/ 1404) ، ابن هشام (2/ 229) .