لايبين القائد الجهة التي يقصدها لئلا يشيع هذا الخبر فيحذرهم العدو [1] .
ونلحظ أن التربية الأمنية في المنهاج النبوي مستمرة منذ الفترة السرية، والجهرية بمكة ولم تنقطع مع بناء الدولة وأصبحت تنمو مع تطورها وخصوصًا في غزوات الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
خامسًا: مشورة الحباب بن المنذر في بدر:
بعد أن جمع - صلى الله عليه وسلم - معلومات دقيقة عن قوات قريش سار مسرعًا ومعه أصحابه الى بدر ليسبقوا المشركين الى ماء بدر وليحولوا بينهم وبين الاستيلاء عليه، فنزل عند أدنى ماء بدر من مياه بدر، وهنا قام الحباب بن المنذر وقال: يارسول الله: أرأيت هذا المنزل، أمنزلًا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة. قال: يارسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض يارسول الله بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم - أي جيش المشركين- فننزله ونغوِّر -نخرب- ماوراءه من الآبار ثم نبني عليه حوضًا فنملؤه ماءً ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون، فأخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - برأيه ونهض بالجيش حتى أقرب ماء من العدو فنزل عليه ثم صنعوا الحياض وغوروا ما عداها من الآبار [2] ، وهذا يصور مثلًا من حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع أصحابه حيث كان أي فرد من أفراد ذلك المجتمع يدلي برأيه حتى في أخطر القضايا، ولا يكون في شعوره احتمال غضب القائد الاعلى، ثم حصول مايترتب على ذلك الغضب من تدني سمعة ذلك المشير بخلاف رأي القائد وتأخره في الرتبة وتضرره في نفسه أو ماله.
إن هذه الحرية التي ربىّ عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه مكنت مجتمعهم من
(1) شرح النووي لصحيح مسلم (13/ 45) .
(2) انظر: مرويات غزوة بدر، ص 164. قصة الحباب تتقوى وترتفع الى درجة الحسن.