الاستفادة من عقول جميع أهل الرأي السديد والمنطق الرشيد، فالقائد فيهم ينجح نجاحًا باهرًا وإن كان حديث السن لأنه لم يكن يفكر برأيه المجرد أو آراء عصبة مهيمنة عليه قد تنظر لمصاحلها الخاصة قبل أن تنظر لمصلحة المسلمين العامة، وإنما يفكر بآراء جميع أفراد جنده، وقد يحصل له الرأي السديد من أقلهم سمعة وأبعدهم منزلة من ذلك القائد، لأنه ليس هناك مايحول بين أي فرد منهم والوصول برأيه الى قائد جيشه [1] .
ونلحظ عظمة التربية النبوية التي سرت في شخص الحباب بن المنذر، فجعلته يتأدب أمام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فتقدم دون أن يُطلب رأيه، ليعرض الخطة التي لديه، لكن هذا تم بعد السؤال العظيم الذي قدمه بين يدي الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
يارسول الله، أرايت هذا المنزل أمنزلًا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولانتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟
إن هذا السؤال ليشي بعظمة هذا الجوهر القيادي الفذ الذي يعرف أين يتكلم ومتى يتكلم بين يدي قائده، فإن كان الوحي هو الذي اختار هذا المنزل، فلأن يقدم فتقطع عنقه أحب إليه من أن يلفظ بكلمة واحدة، وإن كان الرأي البشري فلديه خطة جديدة كاملة باستراتيجية جديدة.
إن هذه النفسية الرفيعة، عرفت أصول المشورة، وأصول إبداء الرأي، وأدركت مفهوم السمع والطاعة، ومفهوم المناقشة، ومفهوم عرض الرأي المعارض لرأي سيد ولد آدم - عليه الصلاة والسلام.
وتبدو عظمة القيادة النبوية في استماعها للخطة الجديدة، وتبني الخطة الجديدة المطروحة من جندي من جنودها، أو قائد من قوادها [2] .
(1) انظر: التاريخ الاسلامي للحميدي (4/ 110) .
(2) انظر: التربية القيادية (3/ 21) .