قوله تعالى: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ - يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ - وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ - كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ - إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ - وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ -} (سورة الحج، آية:19 - 24) .
ولما شاهد المشركون قتل الثلاثة الذين خرجوا للمبارزة، استشاطوا غضبًا وهجموا على المسلمين هجومًا عامًا، صمد وثبت له المسلمون، وهم واقفون موقف الدفاع، ويرمونهم بالنبل كما أمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان شعار المسلمين: أحد أحد. ثم أمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالهجوم المضاد محرضًا لهم على القتال وقائلًا لهم (شدوا) وواعدًا من يقتل صابرًا محتسبًا بأن له الجنة، ومما زاد في نشاط المسلمين واندفاعهم في القتال سماعهم قول النبي - صلى الله عليه وسلم - {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} (سورة القمر، آية:45) وعلمهم وإحساسهم بإمداد الملائكة وبتقليلهم في أعين المسلمين وتقليل المسلمين بأعين المشركين [1] .
فقد كان - صلى الله عليه وسلم - قد رأى في منامه ليلة اليوم الذي التقى فيه الجيشان رأى المشركين، عددهم قليل، وقد قصّ رؤياه على أصحابه فاستبشروا خيرًا قال تعالى: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} (الأنفال، آية:43) .
المعنى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رآهم - أي رأى المشركين - في منامه قليلًا فقصّ ذلك على أصحابه فكان ذلك سببًا لثباتهم، قال مجاهد: ولو رآهم في منامه كثيرًا لفشلوا وجبنوا عن قتالهم، ولتنازعوا في الأمر: هل يلاقونهم أم لا، والمضارع في الآية بمعنى
(1) انظر: الرحيق المختوم، ص 116 - 118.