الماضي لأن نزول الآية كان بعد الإراءة في المنام {وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ} أي عصمهم من الفشل والتنازع فقللهم في عين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [1] ، فقصّ رؤياه على أصحابه، فكان في ذلك تثبيت لهم وتشجيعهم وجرأتهم على عدوهم، وعند لقاء جيش المسلمين مع جيش المشركين، رأى كل منهم عدد الآخر قليلًا، قال تعالى: {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ} (سورة الأنفال، آية: 44) وإنما قللهم في أعين المسلمين تصديقًا لرؤيا النبي - صلى الله عليه وسلم -، وليعاينوا ما أخبرهم به فيزدادوا يقينًا ويجّدوا في قتالهم ويثبتوا قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، قلت لرجل إلى جنبي: أتراهم سبعين؟ قال أراهم مائة، فأسرنا رجلًا منهم فقلنا له: كم كنتم؟ قال: ألفًا. وقوله تعالى: {وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ} حتى قال قائل من المشركين إنما هم أكلة جزور. ووجه الحكمة واللطف بالمسلمين في هذا التقليل، هو أن إرادة المسلمين عدد الكافرين قليلًا ثبتهم ونشطهم وجرأهم على قتال المشركين، ونزع الخوف
-من قلوب المسلمين- من أعدائهم. ووجه الحكمة في تقليل المسلمين في أعين المشركين هو أنهم إذا رأوهم قليلًا أقدموا على قتالهم غير خائفين ولامبالين بهم، ولا آخذين الحذر منهم، فلا يقاتلون بجد واستعداد ويقظة وتحرز، ثم إذا ماالتحموا بالقتال فعلًا تفجؤهم الكثرة فيبهتوا ويهابوا، وتكسر شوكتهم حين يرون مالم يكن في حسابهم وتقديرهم، فيكون ذلك من أسباب خذلانهم وانتصار المسلمين عليهم [2] .
أولًا- إمداد الله للمسلمين بالملائكة:
ثبت من نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، ومرويات عدد من
(1) انظر: المستفاد من قصص القرآن (2/ 125) .
(2) انظر: تفسير الزمخشري (2/ 225) ، تفسير ابن كثير (2/ 315) .