أن يبقى جالسًا على فراشه متوسمًا فيه الخير وأنه سيكون له شأن عظيم [1] ، وكان جده يحبه حبًا عظيمًا وكان إذا ارسله في حاجة جاء بها وذات يوم أرسله في طلب إبل فاحتبس عليه [2] فطاف بالبيت وهو يرتجل يقول:
رب رد راكبي محمدًا
رده لي واصنع عندي يدًا
فلما رجع النبي - صلى الله عليه وسلم - وجاء بالإبل فقال له: يابني: لقد حزنت عليك كالمرأة حزنًا لا يفارقني ابدًا [3] .
ثم توفي عبدالمطلب والنبي - صلى الله عليه وسلم - في الثامنة من عمره [4] ، فأوصى جده به عمه أبا طالب فكفله عمه وحنّ عليه ورعاه [5] .
أرادت حكمة الله أن ينشأ رسوله يتيمًا، تتولاه عناية الله وحدها بعيدًا عن الذراع التي تمعن في تدليله والمال الذي يزيد في تنعيمه، حتى لا تميل به نفسه الى مجد المال والجاه، وحتى لا يتأثر بما حوله من معنى الصدارة والزعامة، فيلتبس على الناس قداسة النبوة بجاه الدنيا، وحتى لايحسبوه يصطنع الأول ابتغاء الوصول الى الثاني [6] وكانت المصائب التي أصابت النبي - صلى الله عليه وسلم - منذ طفولته كموت أمه ثم جده بعد أن حرم عطف الأب وذاق كأس الحزن مرة بعد مرة كانت تلك المحن قد جعلته رقيق القلب مرهف الشعور، فالأحزان تصهر النفوس وتخلصها من أدران القسوة والكِبْر والغرور، وتجعلها
(1) انظر: السيرة النبوية لأبي فارس، ص 101.
(2) صحيح السيرة النبوية للعلي، ص 56.
(3) أخرجه الطبراني في الكبير: 5524 وصححه ابراهيم العلي في صحيح السيرة النبوية، ص 56.
(4) انظر: السيرة النبوية لأبي فارس، ص 101.
(5) انظر: مدخل لفهم السيرة، اليحيى، ص 119.
(6) انظر: فقه السيرة للبوطي، ص 46.