فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 1638

أكثر رقة وتواضعًا.

وليست وفاة والديه في العشرينات من حياتهما ناشئة عن هزالهما وضعف بنيتهما. ولم يكن محمد - صلى الله عليه وسلم - سليل أبوين سقيمين. وإنما توفاهما الله بعد أن قاما بالمهمة التي وجدا من أجلها، ليتأسى بمحمد - صلى الله عليه وسلم - كل من فقد والديه أو أحدهما وهو صغير، وليكون أدبه وخلقه مع يتمه دليلًا على أن الله تعالى تولى رعايته وتأديبه، وحتى ينشأ قوي الإرادة ماضي العزيمة غير معتمد على أحد في شؤونه، وحتى لايكون لأبويه أي أثر في دعوته [1] وحتى لا تتدخل يد البشرية في تربيته وتوجيهه، فيكون الله سبحانه وتعالى هو الذي يتولى تربيته، ولا يتلقى أو يتلقن من مفاهيم الجاهلية وأعرافها شيئًا، إنما يتلقى من لدن الحكيم الخبير فالله سبحانه وتعالى آواه، وسخر له جده وعمه لتهيئة الجانب المادي، بينما كانت التربية النفسية والخلقية والفكرية تعهدًا ربانيًا، ورعاية إلهية [2] .

سادسًا: عمله صلى الله عليه وسلم في الرعي:

كان ابو طالب مقلًا في الرزق فعمل النبي - صلى الله عليه وسلم - برعي الغنم مساعدة منه لعمه، فلقد أخبر - صلى الله عليه وسلم - عن نفسه الكريمة وعن إخوانه من الأنبياء أنهم رعوا الغنم، أما هو فقد رعاها لأهل مكة وهو غلام وأخذ حقه عن رعيه، ففي الحديث الصحيح قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (مابعث الله نبيًا إلا رَعى الغنم فقال: أصحابه: وأنت يارسول الله؟ وأنا رعيتها لأهل مكة بالقراريط) [3] ، إن رعي الغنم كان يتيح للنبي - صلى الله عليه وسلم - الهدوء الذي تتطلبه نفسه الكريمة، ويتيح له المتعة بجمال الصحراء، ويتيح له التطلع الى مظاهر جلال الله في عظمة الخلق، ويتيح له مناجاة الوجود في هدأة الليل وظلال القمر ونسمات الأشجار

(1) انظر: رسائل الأنبياء، عمر أحمد عمر (3/ 20) .

(2) انظر: فقه السيرة النبوية للغضبان، ص 84،85.

(3) البخاري، كتاب الاطعمة (9/ 488) رقم 2262. والقيراط جزء من الدينار أو الدرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت