الذوق السليم هاهنا روعة الأسلوب في عرض العتاب بغير عتاب ولكنه تصوير مافي النفوس تصويرًا يوقن معه العادي من الناس أنه ماكان لمؤمن صحيح الإيمان أن يتصف بها ولذلك اقترنت الآيات بتقديم خصائص الإيمان العالية وميزاته الرفيعة التي تصور الفجوة البعيدة بين المؤمن وبين أي إسفاف: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ - الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ - أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ -} (سورة الانفال، الآيات 2،3،4) .
ماذكرت الآيات عتابًا ولكنها ذكرت واقعًا وكان ذكر الواقع أبلغ من كل عتاب، قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ} وفحوى الخطاب ماكان لهم أن يسألوا هذا السؤال. وقد بين سبحانه وتعالى حقيقة خروجهم من المدينة قال تعالى: {كَمَا أَخْرَجَكَ} وهذا وصف بالغ الغاية في تصوير الجزع والرعب، صورة أناس يساقون إلى الموت سوقًا لامفر منه وهم يرون الموت بأم أعينهم، وقال تعالى: {وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} وهذا تصوير لضعف في النفوس .. إلى أن يقول: دفعت الآيات الكريمة عن المؤمنين أي شعور بالاستعلاء وصرفت عن أنفسهم كل معنى من معاني الغرور وبسطت أمامهم نفوسهم أو نفوس فريق منهم ومابينها وبين الإيمان الصحيح من درجات وإذا جاء ذكر الثناء مصورًا بسورة المن والفضل بما أنعم الله ليس ثناء مستقلًا، الثناء عليهم ان الله منّ عليهم فاستجاب دعاءهم، ونزل عليهم الماء ليطهرهم وأنزل الملائكة لتثبتهم، وجمع بينهم وبين عدوهم لأمر كبير دبره الله وقدره [1] .
بدأت السورة بموضوع الأنفال واختلافهم في قسمتها وسؤلهم عنها فساقت في ذلك أربع آيات عالجت بها نفوس المؤمنين، وتطهيرها من الاختلاف الذي ينشأ عن حب
(1) انظر: من هدي سورة الأنفال، د. محمد المصري، ص 95،96.