الحرب ورؤس الفتنة، فقد كان من أكبر دعاة الحرب ضد الإسلام والمتربصين بالمسلمين الدوائر، فبقاؤهما يعد مصدر خطر كبير على الإسلام، ولاسيما في تلك الظروف الحاسمة التي تمر بها الدعوة الإسلامية، فلو أطلق سراحهما لما تورّعا على سلوك أي طريق فيه كيد للإسلام وأهله، فقتلهما في هذا الظرف ضرورة تقتضيها المصلحة العامة لدعوة الإسلام الفتية [1] ولذلك أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتلهما، عندما وصل إلى الصفراء [2] أثناء رجوعه للمدينة، فلما سمع عقبة بن معيط بأمر قتله قال: ياويلي علام أقتل يامعشر قريش من بين من هاهنا؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (لعدواتك لله ولرسوله) قال: يامحمد منُّك أفضل، فاجعلني كرجل من قومي، إن قتلتهم قتلتني، وإن مننت عليهم مننت عليَّ، وإن أخذت منهم الفداء كنت كأحدهم، يامحمد، من للصبية؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (النار قدّمه ياعاصم فاضرب عنقه) [3] ، فقدمه عاصم فضرب عنقه [4] ، وأما النضر بن الحارث، فقد كان من شياطين قريش، وممن يؤذي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وينصب له العداوة وكان قد قدم الحيرة، وتعلم بها أحاديث ملوك الفرس، وأحاديث رستم واسنفديار، فكان إذا جلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مجلسًا فذكَّر فيه بالله، وحذر قومه ما أصاب قبلهم من الأمم من نقمة الله، خلفه، في مجلسه إذا قام، ثم قال: أنا والله يامعشر قريش أحسن حديثًا منه، فهلم إليَّ فأنا أحدثكم أحسن من حديثه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم واسفنديار، ثم يقول: بماذا محمد أحسن حديثًا مني [5] .
إن هذا الرجل المتعالي على الله والمتألي عليه، والذي يزعم أنه سينزل أحسن ما
(1) انظر: غزوة بدر الكبرى، محمد احمد باشميل، ص 162.
(2) الصَّفراء: واد كثير النخل والزرع والخير.
(3) انظر: مجمع الزوائد (6/ 89) قال فيه رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات.
(4) انظر: التربية القيادية (3/ 60) .
(5) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (1/ 439،440) .