في مقاومة الدعوة بأي لون من ألوانها، وقد كف يده ولسانه عن أصحاب رسول الله، وشغله ماله وتجارته وحياؤه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن مواقف الشراسة القرشية في مقاومة الدعوة إلى الله، وفي بدر كان أبو العاص صهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بين الأسرى الذين لم يسمع لهم في المعركة صوت، ولم يعرف لهم رأي، ولاشوهدت لهم في قتال جولة، وبعد أن بدأت قريش تفادي أسراها، أرسلت السيدة زينب بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وزوجة أبي العاص بمال تفديه به، ومع المال قلادة كانت أمها السيدة خديجة رضي الله عنها أهدتها إليها فأدخلتها بها على زوجها لتتحلى بها، فلما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلادة ابنته رق لها رقة شديدة، إذ كانت هذه القلادة الكريمة مبعث ذكريات أبويّة عنده - صلى الله عليه وسلم -، وذكريات زوجية، وذكريات أسرية، وذكريات عاطفية، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - أب، له من عواطف الأبوة أرفع منازلها في سجل المكارم الإنسانية، وأشرفها في فضائل الحياة، فتواثبت إلى خبايا نفسه الكريمة، المكرمة أسمى مشاعر الرحمة، وتزاحمت على فؤاده الأطهر عواطف الحنان والحنين، فتوجه إلى أصحابه رضي الله عنه متلطفًا يطلب إليهم في رجاء الأعز الأكرم رجاء يدفعهم إلى العطاء ولايسلبهم حقهم في الفداء، لو أنهم أرادوا الاحتفاظ بهذا الحق وهو في أيديهم يملكون التصرف فيه، فقال لهم: (إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها، وتردوا عليها الذي هو لها) .
وهذا أسلوب من أبلغ وألطف مايسري في حنايا النفوس الكريمة، فيطوّعها إلى الاستجابة الراغبة الراضية رضاء ينم عن الغبطة والبهجة [1] .
إن هذا الموقف ومايظهر منه من مظاهر الرحمة والعطف منه - صلى الله عليه وسلم - على ابنته، يحمل في طياته مقصدًا آخر، وهو أنه كان يتألف صهره للإسلام بذلك، لما عرف عنه من العقل السديد والرأي الرشيد، فقد كان - صلى الله عليه وسلم - يثنى عليه وهو على شركه بحسن
(1) انظر: محمد رسول الله، عرجون (3/ 480،487) .