لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (سورة يونس، الآية: 78) .
هكذا يقول فرعون لموسى، ونظرًا لسيطرة حب الدنيا وحطامها على عقولهم يظنون أن أي تفكير وأي حركة مراد بها الدنيا، ولهذا قالت الأنبياء عليهم السلام لأقوامهم مبينة استغنائها عنهم: {وَيَاقَوْمِ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاَقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ} (سورة هود: الآية 29) .
روى البخاري عن المقدام - رضي الله عنه - عن رسول الله قال: (ما أكل أحدٌ طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده) [1] .
ولاشك أن الاعتماد على الكسب الحلال تكسب الانسان الحرية التامة والقدرة على قول كلمة الحق والصدع بها [2] وكم من الناس يطأطئون رؤسهم للطغاة، ويسكتون على باطلهم، ويجاورونهم في أهوائهم خوفًا على وظائفهم عندهم [3] .
إن صاحب أي دعوة، لن تقوم لدعوته أي قيمة في الناس إذا ماكان كسبه ورزقه من وراء دعوته أو على أساس من عطايا الناس وصدقاتهم، ولذا كان صاحب الدعوة الاسلامية أحرى الناس كلهم بأن يعتمد في معيشته على جهده الشخصي أو مورد شريف لا استجداء فيه حتى لاتكون عليه لأحد من الناس منة أو فضل في دنياه فيعوقه ذلك من أن يصدع بكلمة الحق في وجهه غير مبالٍ بالموقع الذي قد تقع من نفسه.
وهذا هو المعنى وإن لم يكن قد خطر في بال الرسول - صلى الله عليه وسلم - في هذه الفترة، إذ أنه لم يكن يعلم بما سيوكل إليه من شأن في الدعوة والرسالة الإلهية، غير ان هذا المنهج
(1) البخاري، كتاب البيوع رقم 2072.
(2) انظر: مدخل لفهم السيرة، ص 128.
(3) انظر: فقه السيرة للغضبان، ص 93.