الله مع ذلك ما لمُتُ الناس: لقينا رجالًا بيضًا على خيل بُلق بين السماء والأرض والله ماتُلق شيئًا، ويقوم لها شيء. قال ابو رافع فرفعت طنب الحجرة بيدي ثم قلت: تلك والله الملائكة، قال: فرفع أبو لهب يده فضرب بها وجهي ضربة شديدة، قال: وثاورته فاحتملني وضرب بي الأرض ثم برك عليّ يضربني -وكنت رجلًا ضعيفًا- فقامت أم الفضل الى عمود من عمد الحجرة فأخذته فضربته به ضربه فَلَعَتْ في راسه شجة منكرة، وقالت: استضعفته أن غاب عنه سيده، فقام موليًا ذليلًا ثم مات بعد سبع ليال بالعدسة [1] فقتلته [2] وأم الفضل بن الحارث زوجة العباس بن عبدالمطلب، وأخت ميمونة أم المؤمنين وخالة خالد بن الوليد، وهي أول امرأة أسلمت بعد خديجة [3] رضي الله عنهن.
لقد تركت غزوة بدر بنفوس أهل مكة المشركين كمدًا وأحزانًا وآلامًا بسبب هزيمتهم ومن فقدوا وأسروا، فهذا أبو لهب لم يلبث أن أصيب بعلة ومات، وهذا ابو سفيان فقد ابنًا له وأسر له إبنًا آخر، ومامن بيت من بيوت مكة إلا وفيه مناحة على قتل عزيز أو قريب، أو أسر أسير، فلا عجب أن كانوا صمموا في أنفسهم على الأخذ بالثأر، حتى إن بعضهم حرم نفسه الاغتسال [4] ، يأخذ بالثأر ممن أذلوهم، وقتلوا أشرافهم وصناديدهم، وانتظروا يترقبون الفرصة للقاء المسلمين والانتصاف منهم، فكان ذلك في أحد [5] .
3 -أما اليهود، فقد هالهم أن ينتصر المسلمون في بدر، وأن تقوى شوكتهم فيها، وأن يعزّ الاسلام ويظهر على دينهم، ويكون لرسوله دونهم الحُظوة والمكانة، فصمموا على نقض العهد الذي عاهدوا عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما قدم المدينة، وأظهروا عداوتهم
(1) العدسة: قرحة قاتلة كالطاعون. وقد عدس الرجل: إذا أصابه ذلك.
(2) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (2/ 258) .
(3) انظر: المرأة في العهد النبوي، د. عصمة الدين كركر، ص 162.
(4) هو ابو سفيان بن حرب نذر إلا يمس رأسه من ماء جنابة حتى يغزو المسلمين.
(5) انظر: السيرة النبوية لابي شهبة (2/ 171) .