-صلى الله عليه وسلم:ارجع فلن أستعين بمشرك [1] ، فالحديث يبين أن القاعدة والأصل عدم الاستعانة بغير المسلم في الأمور العامة، ولهذه القاعدة استثناء، وهو جواز الاستعانة بغير المسلم بشروط معينة وهي: تحقق المصلحة أو رجحانها بهذه الاستعانة، وأن لايكون ذلك على حساب الدعوة ومعانيها، وأن يتحقق الوثوق الكافي بمن يستعان به، وأن يكون تابعًا للقيادة الإسلامية، لامتبوعًا، ومقودًا فيها لاقائدًا لها، وأن لاتكون هذه الاستعانة مثار شبهة لأفراد المسلمين، وأن تكون هناك حاجة حقيقية لهذه الاستعانة وبمن يُستعان به، فإذا تحققت هذه الشروط جازت الاستعانة على وجه الاستثناء، وإذا لم تتحقق لم تجز الاستعانة، وفي ضوء هذا الأصل رفض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اشتراك المشرك مع المسلمين في مسيرهم إلى عير قريش، إذ لاحاجة به أصلًا وفي ضوء الاستثناء وتحقق شروطه استعان النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمشرك عبدالله بن أريقط - الذي استأجره النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر في هجرتهما إلى المدينة ليدلهما على الطريق إليها ... ، وهكذا على هذا الاستثناء وتحقق شروطه قبل - صلى الله عليه وسلم - حماية عمه أبي طالب له، كما قبل جوار أو إجارة المطعم بن عدي له عند رجوعه عليه الصلاة والسلام من الطائف، وكذلك قبول الصحابة الكرام جوار من أجارهم من المشركين ليدفع هؤلاء الأذى عمن أجاروهم [2] ، وضبط هذه القاعدة مع فهم شروط الاستثناء في واقع الحياة يحتاج إلى فقه دقيق وإيمان عميق.
سادسًا: حذيفة بن اليمان، وأسيد بن الحضير رضي الله عنهما:
أ-حذيفة بن اليمان ووالده:
قال حذيفة: مامنعنا أن نشهد بدرًا إلا أني وأبي أقبلنا نريد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخذنا كفار قريش فقالوا: إنكم تريدون محمدًا، فقلنا: مانريده إنما نريد المدينة، فأخذوا علينا عهد
(1) انظر: السيرة النبوية الصحيحة للعمري (2/ 355) .
(2) انظر: المستفاد من قصص القرآن (2/ 144،145) .