أحمد في مسنده عن هشام بن عروة عن أبيه قال: حدثني جار لخديجة أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول لخديجة: أي خديجة والله لا أعبد اللات والعزى. قال: كان صنمهم التي كانوا يعبدون ثم يضطجعون [1] ، وكان لا يأكل ماذبح على النصب، ووافقه في ذلك زيد بن عمرو بن نفيل [2] .
وقد حفظه الله تعالى في شبابه من نزعات الشباب ودواعيه التي تنزع إليها الشبوبية بطبعها ولكنها لا تلائم وقار الهداة وجلال المرشدين [3] ، فعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (ماهممت بقبيح مما كان أهل الجاهلية يهموّن به، إلا مرتين من الدهر، كلتيهما يعصمني الله منهما، قلت ليلة لفتى كان معي من قريش بأعلى مكة في أغنام أهله يرعاها: (أبصر إلي غنمي حتى أسمر هذه الليلة بمكة، كما يسهر الفتيان، قال: نعم، فخرجت، فجئت أدنى دار من دور مكة، سمعت غناء، وضرب دفوف، ومزامير، فقلت: ماهذا؟ فقالوا: فلان تزوج فلانة، لرجل من قريش تزوج امرأة من قريش، فلهوت بذلك الغناء وبذلك الصوت حتى غلبتني عيني، فما أيقظني إلا حر الشمس فرجعت فقال: مافعلت؟ فأخبرته. ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك، ففعل، فخرجت، فسمعت مثل ذلك، فقيل لي مثل ماقيل لي، فلهوت بما سمعت حتى غلبتني عيني، فما أيقظني إلا مسُّ الشمس، ثم رجعت إلى صاحبي فقال: فما فعلت؟ قلت: مافعلت شيئًا. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: فوالله ماهممت بعدها بسوء مما يعمل أهل الجاهلية حتى أكرمني الله بنبوته [4] .
وهذا الحديث يوضح لنا حقيقتين كل منهما على جانب كبير من الأهمية:
(1) انظر: وقفات تربوية، أحمد فريد، ص 51.
(2) نفس المصدر، ص 51.
(3) انظر: محمد رسول الله، محمد عرجون (1/ 51) .
(4) صحيح السيرة النبوية، ابراهيم العلي، ص 57.