مغازي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسيرته على أنها وقعت بعد معركة بدر، إذ لم يلتزم يهود بني قينقاع بالمعاهدة التي ابرمها الرسول - صلى الله عليه وسلم - معهم، ولم يوفوا بالتزاماتهم التي حددتها، ووقفوا من الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين مواقف عدائية، فأظهروا الغضب والحسد عندما انتصر المسلمون في بدر، وجاهروا بعداوتهم للمسلمين [1] ، وقد جمعهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في سوقهم بالمدينة ونصحهم، ودعاهم إلى الإسلام، وحذّرهم أن يصيبهم ماأصاب قريشًا في بدر [2] ، غير أنهم واجهوا النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتحدي والتهديد رغم ما يفترض أن يلتزموا به من الطاعة والمتابعة لبنود المعاهدة التي جعلتهم تحت رئاسته، فقد جابهوه بقولهم: (يامحمد لايغرنك من نفسك أنك قتلت نفرًا من قريش كانوا أغمارًا لايعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفت إنا نحن الناس، وإنك لم تلق مثلنا [3] ، وهكذا بدأت الأزمة تتفاعل إذ لم يكن في جوابهم مايشير إلى الالتزام والاحترام، بل على العكس فإنهم قد أظهروا روحًا عدائيًا، وتحدِّ واستعلاء واستعداد للقتال، فأنزل الله سبحانه وتعالى فيهم قوله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ - قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصَارِ -} (سورة آل عمران، آية:12 - 13) .
أ-الأسباب المباشرة للغزو:
لما انتصر المسلمون في بدر وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لليهود ماقال، أضمرت بنو قينقاع نقض العهد الذي بينهم وبين المسلمين، وأخذوا يتحينون الفرصة السانحة لمناوشة المسلمين، حتى جاءتهم فرصتهم الحقيرة الدنيئة عندما جاءت امرأة من العرب قدمت
(1) انظر: موسوعة نظرة النعيم (1/ 269) .
(2) انظر: اليهود في السنّة المطهرة (1/ 276) .
(3) نفس المصدر (1/ 276) .