ثم رجع فصنع لهم طعامًا، فلما أتاهم به، وكان هو في رعية الإبل [1] قال: أرسلوا إليه، فأقبل وعليه غمامة [2] تظله، فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فئ الشجرة، فلما جلس مال فئ الشجرة [3] عليه، فقال: انظروا إلى فئ الشجرة مال عليه.
قال: فبينما هو قائم عليهم، وهو يناشدهم [4] أن لايذهبوا به إلى الروم فإن الروم إذا عرفوه بالصفة فيقتلونه، فالتفت فإذا سبعة قد أقبلوا من الروم، فاستقبلهم، فقال: ماجاء بكم؟ قالوا: جاءنا أن هذا النبي خارج في هذا الشهر، فلم يبقى طريق إلا بعث إليه بأناس، وإنا قد أخبرنا خبره، بعثنا إلى طريقك هذا، فقال: هل خلفكم أحد هو خير منكم؟
قالوا: إنما اخترنا خيره لك لطريقك هذا، قال: أفرأيتم أمرًا أراد الله أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس رده؟ قالوا: لا. قال: فبايعوه وأقاموا معه.
قال: أنشدكم الله أيكم وليه [5] ؟ قالوا: أبو طالب فلم يزل يناشده حتى رده أبو طالب [6] .
ومما يستفاد من قصة بحيرا عدة أمور منها:
1 -إن الصادقين من رهبان أهل الكتاب يعلمون أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - هو الرسول للبشرية، وعرفوا ذلك لما وجدوه من إمارات وأوصاف عنه في كتبهم.
2 -إثبات سجود الشجر والحجر للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وتظليل الغمام له وميل فئ الشجرة عليه.
(1) رعية الأبل: رعايتها.
(2) عمامة: السحابة.
(3) مال في الشجرة عليه: مال ظلها.
(4) يناشدهم: يقسم عليهم.
(5) ايكم وليه: قريبه.
(6) انظر: صحيح السيرة النبوية، ص 58،59.