ذلك بأرقى وشائج الصلة وهي المحبة، أفلا يُعتبر هذا الوجدان الحي والإحساس المرهف مثلًا أعلى على التخلق بخلق الوفاء؟
ألا وإن الذي يعترف بفضل الحجارة الصماء ويُفضي عليها من الأخلاق السامية مالا يتصف به إلا أفاضل العقلاء لجدير به أن يعترف بأدنى فضل يكون من بني الإنسان، وإذا كان وفاؤه - صلى الله عليه وسلم - للجماد قد سَمَى حتى حاز أرقى العبارات وأرقَّها فأخْلقْ ببني الإنسان الأوفياء أن ينالوا منه أعظم من ذلك، فضلًا عن من تجمعه بهم الأخوة في الله تعالى [1] .
والحديث النبوي الشريف فيه كثير من المعاني منها ماذكره الحميدي ومنها ماقاله الاستاذ صالح الشامي حيث قال: والإنسان كثيرًا مايربط بين المصيبة وبين مكانها أو زمانها .. وحتى لاتنسحب هذه العادة وتستمر بعد أن جاء الإسلام كان هذا القول الكريم بيانًا للحق وابتعادًا عن الطيرة والتشاؤم، وذلك المعنى الذي يبقي الآثار السيئة في نفس الإنسان ولاشك أن المسلمين سيقفون على أحد يتذكرون تلك المعركة فحتى لايرتبط بفكرهم ذلك المعنى السيء، بيّن لهم أن المكان والزمان مخلوقات لله لاعلاقة لهما ولا أثر بما يحدث فيهما، وإنما الأمور بيد الله تعالى، والاستشهاد في سبيل الله كرامة لصاحبه لامصيبة، وهكذا تتساوق المفاهيم في إطارها الإيماني وإذا (أحد) يكرم ويحب انطلاقًا من هذا القول الكريم، وكيف لايكرم وقد اختاره الله ليثوي فيه حمزة وأصحابه ممن اختارهم الله في ذلك اليوم فجادوا بأنفسهم ابتغاء مرضاته [2] .
عاشرًا: الملائكة في أحد:
قال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: رأيت عن يمين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعن
(1) انظر: التاريخ الاسلامي (5/ 198) .
(2) انظر: معين السيرة النبوية، ص 427.