الحاقدين على الإسلام وقوة سلطانه من المستشرقين وعبيدهم العلمانيين الذين ظنوا أنهم وجدوا في موضوع زواج النبي - صلى الله عليه وسلم - مقتلًا يصاب منه الإسلام وصوّروا النبي - صلى الله عليه وسلم - في صورة الرجل الشهواني الغارق في ذاته وشهواته، فنجد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عاش إلى الخامسة والعشرين من عمره في بيئة جاهلية، عفيف النفس، دون أن ينساق في شيء من التيارات الفاسدة التي تموج حوله، كما أنه تزوج من امرأة لها مايقارب ضعف عمره، وعاش معها دون أن تمتد عينه إلى شيء مما حوله وإن من حوله الكثير وله إلى ذلك أكثر من سبيل، إلى أن يتجاوز مرحلة الشباب، ثم الكهولة، ويدخل في سن الشيوخ، وقد ظل هذا الزواج قائمًا حتى توفيت خديجة عن خمسة وستين عامًا، وقد ناهز النبي عليه الصلاة والسلام الخمسين من العمر دون أن يفكر خلالها بالزواج بأي إمرأة أخرى، ومابين العشرين والخمسين من عمر الإنسان هو الزمن الذي تتحرك فيه رغبة الاستزادة من النساء والميل إلى تعدد الزوجات للدوافع الشهوانية.
ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يفكر في هذه الفترة بأن يضم إلى خديجة مثلها من النساء: زوجة أو أمة، ولو أراد لكان الكثير من النساء والإماء طوع بنانه.
أما زواجه بعد ذلك من السيدة عائشة وغيرهن من أمهات المؤمنين، فإن لكل منهن قصة، ولكل زواج حكمة وسبب يزيدان في إيمان المسلم بعظمة محمد - صلى الله عليه وسلم - ورفعة شأنه وكمال أخلاقه [1] .
ثانيًا: اشتراكه في بناء الكعبة الشريفة:
لما بلغ محمد - صلى الله عليه وسلم - خمسًا وثلاثين سنة اجتمعت قريش لتجديد بناء الكعبة لما أصابها من حريق وسيل جارف صدّع جدرانها. وكانت لاتزال كما بناها إبراهيم عليه
(1) انظر: فقه السيرة النبوية للبوطي، ص 53،54.