الباطنة أني حَكمْتُ على ما في داخل قلبه؛ هذا لا يعلمه إلا الله عز وجل، ولذلك لا نُعَدِّل عدالة باطنة من الناس إلا من عدله الله عز وجل ورسوله كالصحابة رضوان الله عليهم، فهؤلاء هم الذين ثبتت لهم العدالة الباطنة بالمعنى الدقيق، وهو أننا نُعَدَّل ما في قلوبهم ونزكي ما في قلوبهم؛ لأن الله عز وجل حكم لهم بالعدالة وهو العالم بما في قلوبهم، أما من سواهم فلا يمكن أن نقول ذلك، فهذا هو مقصوده، ويدل على ذلك أنه قال: (بل العدل من كان ظاهر أحواله طاعة الله، والذي يخالف ذلك) الآن لا بد أن يأتي بالنقيض، قال: والذي يخالف ذلك من أكثر أحواله معصية الله.
إذًا معنى من كان ظاهر أحواله طاعة الله يعني من كان أكثر أحواله طاعة الله؛ لأن الأمر يتبين بضده، على كل حال هذا كلام ربما اضطررنا إلى بيانه لصورة أكثر، وأرجو أن يكون بَيِّنًا بما ذكرناه.
يبقى في كلامه التالي حول العدالة أيضًا؛ حيث بَيَّنَ أنه ليس كل من عدَّله الناس ربما قُبلت يَستحق أن يكون مقبولًا في الرواية. لماذا؟
يقول ابن حبان كلامًا صريحًا:
وقد يكون العدل الذي يشهد له جيرانه وعدول بلده به - يعني بالعدالة - وهو غير صادق فيما يروي من الحديث؛ لأن هذا شيء ليس يعرفه إلا من صناعته الحديث.
ما هو الذي ليس يعرفه إلا من صناعته الحديث؟ لا يعرف من هو المتقن الصادق في روايته إلا من كان ناقدًا في الحديث؟ لماذا؟ يؤكد هذه المسألة الآن ويبين العلة، فيقول:
وليس كل مُعَدِّل يعرف صناعة الحديث حتى يُعَدِّل العَدْل على الحقيقة في الرواية والدين معًا.
-وهنا أذكركم بالفائدة التي قلناها لكم أن العدل يطلق عند المحدثين على العدل الضابط، على من شمل بين الضبط والديانة، بدليل؟
يقول: حتى يُعَدِّل العدل على الحقيقة.
من هو العدل على الحقيقة عند المحدثين؟
قال: في الرواية والدين معًا.
فالعدل في الرواية هو الضابط، والعدل في الدين هو صاحب الملكة، التي هي الديانة، التي هي العدالة المشهورة؛ هذه أحد العبارات الصريحة بأن العدل عند المحدثين تشمل الضبط والديانة.
وبذلك انتهينا من شرط العدالة عند ابن حبان في هذا الكتاب، وتبين أنه يشترط فيه الشرط الذي يشترطه غيره من أهل العلم وأنه لا يحتج بالمجهول، وقلت لكم: إذا رأيتم أن الأمر يحتاج إلى زيادة إيضاح ممكن نجعل هذا لدرس، وهو الكلام عن توثيق ابن حبان بصورة إجمالية، وكتابه"الثقات"