فالمقصود أن ابن حبان إذا اكتفى بالعدالة الظاهرة لم يأت بذلك في هذا الأمر بأمر جديد، فإذا اعتبرنا هذا تساهلًا فلنعتبر ابن معين والنسائي وأصحاب الكتب المعتمدة المشهورة وعامة المحدثين أنهم متساهلين، ولا شك أن هذا ليس بقوي صحيح، وأن جريان العمل على هذا الأمر كافٍ، بل هناك ناقشتُ قضية حتى قبول العدالة الظاهرة في الشهادة والخلاف بين الفقهاء فيها وما ذكروه في هذه المسألة فضلًا عن الرواية، والفرق بين الشهادة والرواية في هذا الجانب تظهر من أن الشاهد يمكن أن يتثبت من عدالته الباطنة لكونه موجودًا بين يدي القاضي، يمكن أن يسأل ويتثبت في قضية عدالته الباطنة، أما الرواة خاصة - لأنه تقادم العهد بهم كما قال ابن الصلاح - فهؤلاء لا سبيل إلى معرفة عدالتهم الباطنة؛ لأنه بيننا وبينهم أزمنة ودهور، ولا يمكن أن نعرف عدالتهم الباطنة، فيُكتفى فيهم بالعدالة الظاهرة.
وبينت في ذلك الدرس علاقة ذلك بمسألة هل الأصل في المسلم العدالة أم الأصل في المسلم عدم العدالة، وبينت أنه لا يصح أن نربط قضية الرواة بهذه المسألة، بل الصواب أن نقول: هل الأصل في رواة السنن - ممن ظهرت عدالتهم الظاهرة - أنهم عدول أو غير عدول؟ راوٍ عرفناه بالعدالة الظاهرة؛ ليس مطلق راوٍ، ليس مطلق مسلم، وإنما شخص لم نعرفه إلا بالعدالة الظاهرة، وهو من حملة العلم، أو حتى دون هذا القيد. رجل عرفناه بالعدالة الظاهرة، هل الأصل فيه العدالة أو لا؟
-الأصل فيه العدالة، هذا لا شك فيه، أما إذا قلت الأصل في الناس ماذا؟ أقول: صح، أكثر الناس كما قلنا بعيدين عن العدالات، إذا قلت من عرفناه بالعدالة الظاهرة الأصل فيه أن يكون عدلًا في الباطن، هذا لا شك فيه، فكيف إذا تذكرت أننا نتكلم نحن وابن حبان الذي اتُّهِم بالتساهل عن الرواة وتذكر أننا نتكلم عن الرواة غالبًا أيضًا في زمن التابعين وأتباع التابعين الذين هم في القرون المفضَّلة، لا شك أن الاكتفاء بالعدالة الظاهرة يكون حينها هو المتوجِّه وهو الصحيح؛ فهذه مسألة يجب أن تكون مستحضرة في الذهن قبل أن نتهم ابن حبان بالتساهل أو بعدم التساهل.
الأمر الثاني: أكد ابن حبان على شروط الحديث المقبول كما ذكرنا هنا في الصحيح وذكر نفس هذه الشروط لكن بألفاظ أخرى تُعين على فَهْمِ كلامه أيضًا في الصحيح في مقدمة كتابه"المجروحين"؛ حيث يقول مثلًا في مقدمة هذا الكتاب:
"وأقل ما يثبت به خبر الخاصة حتى تقوم به الحجة على أهل العلم".
خبر الخاصة المقصود به خبر الآحاد، يعني يقول هنا: ما هي أقل شروط يجب أن تتوفر في الحديث من أجل أن يكون حجة؛ هذا أقل درجة من درجات القبول عند ابن حبان، فيذكر الآن الشروط.
يقول: