أنه يجب على كل مسلم أن يسكن حيث سكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأن يجعل رجليه حيث جعلها وأن يصلي حيث صلى وأن يصوم فرض الأيام التي كان يصومها وأن يجلس حيث جلس وأن يتحرك مثل كل حركة كان يتحركها وأن يحرم الأكل متكئا وعلى خوان (مائدة) وأن يحرم الشبع من خبز البر لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما شبع من خبز البر وأن يحرم أكل الخبز مأدوما ثلاثة أيام وأن يوجب أكل الدباء وتتبعه وهذا لا يقوله أحد فتبين بما ذكرنا أن أفعاله - صلى الله عليه وسلم - يستحيل أن تكون واجبة علينا إذ لم يأت على ذلك دليل بل قام الدليل والبرهان على أن ذلك غير واجب بالآية (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ... ) الآية فكل من له أقل علم بالعربية فإنه يعلم أن ما قيل فيه هذا لك أنه غير واجب قبوله بل مباح له تركه إن أحب كالمواريث وما خيرنا فيه وإنما إن جاء بلفظ عليك كذا فهذا هو الملزم لنا، فلما قال الله تعالى"لقد كان لكم ... الآية كنا مندوبين إلى ذلك وكان مباح لنا أن لا نتأسى غير راغبين عن الإتساء به لكن عالمين أن الذي تركنا أفضل والذي فعلنا مباح كجلوس الإنسان وتركه أن يصلي تطوعا فليس إثما بذلك ولو صلى تطوعا لكان أفضل. ومن بديع كلامه في الرد على من زعم على أن الأصل في أفعاله الخصوص قوله: وبعضهم تعلق في هذه الأفعال بأنه خصوص له ومن فعل ذلك فقد تعرض لغضب رسول الله ومن تعرض لغضب رسول الله تعرض لغضب الله فقد غضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غضبا شديدا إذ سألته امرأة الأنصاري والأنصاري عن قبلة الصائم فأخبر عليه السلام أني أفعل ذلك فقال قائل لست مثلنا يا رسول الله أنت قد غفر الله لك ذنبك فغضب رسول الله حينئذ غضبا شديدا وأنكر هذا القول فمن أضل ممن تعرض لغضب الله وغضب رسوله - صلى الله عليه وسلم - انتهى كلام ابن حزم."
إذا القول بوجوب أفعاله - صلى الله عليه وسلم - كلها على الأمة أمر مستحيل وليس بممكن وإنما الأصل أنها على الندب والأصل فيها أنها مشروعة وأنها ليست على الخصوص. ومما ينبغي أن يعلم أن التأسي بفعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - أبلغ من التأسي بقوله لذا لما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه في صلح الحديبية أن يتحللوا من الإحرام أبوا فخشي عليهم الهلكة وكانت معه أم سلمة فأشارت عليه أن يركب ناقته وأن يحلل أمامهم ويرجع فلما فعل اقتدوا به. وأما من حيث القوة فالقول أقوى من الفعل ولذا القاعدة عند العلماء أن القول والفعل إن تعارضا نقدم القول إن تعذر الجمع بينهما.
مثال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في العقيقة"عن الغلام شاتان متكافئتان وعن الجارية شاة"وعق عن الحسن بكبش أملح وعن الحسين بكبش، ففعله كبش وقوله كبشين، فلما تعرض الشوكاني لهذه المسألة في نيل الأوطار قال: نوفق بين الفعل والقول فنقول القول فيه كمال السنة والفعل فيه أصل السنة فإن عق الأب عن ابنه بشاة واحدة فقد أتى بأصل السنة وإن عق بشاتين فقد أتى بكمال السنة وهذا كلام قوي لأن الأصل الجمع ولكن من يدرس طرق وأسانيد حديث عق بكبش يجد أقوى الطرق في سنن النسائي ولفظها: عق عن الحسن والحسين بكبشين أملحين فحينئذ تكون السنة القولية والفعلية مجتمعتين.
وقد يكون الجمع بالتنبيه على أمر فيه خفاء مثل قوله - صلى الله عليه وسلم -"من مس ذكره فليتوضأ"وجاءه رجل فسأله فقال: إن هو إلا بضعة منك"فإذا المس الذي يتوضأ منه الإنسان إن كان على نحو ليس كسائر أعضاء الإنسان ولا يكون ذلك كذلك إلا إن كان بشهوة هذا غير هذا لا صلة له بالفعل لكن هذا التنبيه و التنويه على المعنى. وكذلك في فعله في الشرب فشرب واقفا ولم يشرب واقفا إلا لعلة فشرب واقفا في عرفة ليبين للناس أنه مفطر ومع هذا ثبت في مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن"