قتل زنبورا فقال عمر لا شيء عليه فقال هذا جوابي على سؤالك من كتاب الله. إذا الآية عامة تشمل كل شيء أتى به النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد يقول قائل: الأصل في الأمر الوجوب وما آتانا به يشمل القول والفعل والتقرير فهذا واجب قلنا له: لا ليس هذا الأمر على هذا الإطلاق لأن الآية كما تعلمون من سورة الحشر والسياق في مال الفيء والله عز وجل يأمرهم بأن يقبلوا ما أعطاهم رسول الله من مال الفيء وأن يكفوا عما نهاهم عن أخذه (والإيتاء هنا بمعنى الإعطاء) والأمر بأخذ المال أمر إباحة وليس أمر إيجاب مثل الميراث ومن الملاحظ أن المال لما يعطى للإنسان من غير كسب ولا تعب فإن النفس تتشوف وتطمع فمال الميراث مثلا يتولى قسمته الله وهو مال يكسب بدون تعب ولو ترك للناس فالكل يطمع فيه كله ولا يقبل أن يأخذ نصيبه والله الذي خلق الإنسان ونفس الإنسان هو الذي تولى قسمة هذا المال وكذلك هذا المال الذي يؤخذ من الكفار من غير قتال يتولى قسمته الله ففي هذا السياق قال الله تعالى"وما آتاكم الرسول فخذوه .."الآية أي لا تطمعوا في غيره هذا جواب على الآية أي لا صلة لها بأفعاله - صلى الله عليه وسلم - على هذا التوجيه أي الشيء الذي أعطاكم إياه وكتبه لكم خذوه ولا تطمعوا في غيره، والتوجيه الثاني للآية ما قاله ابن جريج: ما آتاكم الرسول من طاعتي فاقبلوه وما نهاكم عن معصيتي فاجتنبوه فالإيتاء هنا يكون بمعنى الأمر القولي بدليل أن الذي يقابله قول الله تعالى"وما نهاكم"فهنا النهي قول على هذا القول فتكون الآية أيضا لا صلة لها بالأفعال وإنما تكون صلتها بالأقوال بدليل أن قوله وما نهاكم عنه فانتهوا وهذا النهي لا يكون بالفعل لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - منزه عن المعاصي فإذا آتاكم بمعنى أمركم وهو يقابل نهاكم وفي هذا دليل على أن القول يتعدى إلينا فيكون بمعنى العطية وهذا يكون مثل قوله تعالى"خذوا ما آتيناكم بقوة"أي خذوا ما أمرناكم فإذا وما آتاكم هنا بمعنى ما أمرناكم مقابل نهيناكم وعلى أي حال من الأحوال لو سلمنا أن المؤتي في قوله تعالى وما آتيناكم يراد بهذا المؤتي الأفعال فهذا قولا واحدا لا يدل على وجوب جميع الأفعال بل على اتباعها على ما هي عليه من الأحكام وهنا مسألة مذكورة في كتب الأصول يطلقون عليها وجوب المساواة وبعضهم يطلق عليها القول بالمساواة فما كان واجبا في حقه - صلى الله عليه وسلم - فهو واجب في حقنا وما كان مندوبا في حقه فهو مندوبا في حقنا وما كان مباحا في حقه فهو مباح في حقنا، وما آتاكم الرسول فخذوه على الحال الذي هو فيه والذي عليه فإن كان واجبا فواجب وإن كان مندوبا فمندوب وإلا لو أننا أطلقنا القول بالوجوب هكذا على عواهنه فبلا شك أن ذلك ليس بمراد لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خصص الأمر بل ربنا قال:"لا يكلف الله نفسا إلا وسعها"والنبي - صلى الله عليه وسلم - قال"إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه"وفي هذا دلالة على الفرق بين عموم الأمر وعموم النهي فالأمر ليس واجبا بعمومه وإنما يجب الأمر على المسلم على قدر استطاعته وأما النهي فواجب الكف عنه بعمومه لأنه فعل سلبي فهو فعل لا يحتاج إلا إلى إرادة، وقد أعجبني كلام لابن حزم يناقش فيه القائلين بعموم وجوب أفعاله - صلى الله عليه وسلم - ويمتاز ابن حزم من بين سائر الأصوليين إلى أنه عرض علم الأصول ليست على الطريقة المعهودة وأنه أيضا أعمل ذهنه في الآيات و الأدلة، وقع في شطط في بعض الأحايين لكن بالجملة أتى بأشياء جميلة وجيدة فقال في كتابه الإحكام: وأما من ادعى أن أفعال الرسول - صلى الله عليه وسلم - فرض علينا أن نفعل مثلها فقد أغفل جدا (أي وقع في غفلة شديدة) ... وأتى بما لا برهان على صحته وما كان هكذا فهو دعوى كاذبة لأن الأصل أن لا يلزمنا حكم حتى يأتي نص قرآن أو سنة بإيجابه وأيضا فإنه قول يؤدي إلى ما لا يعقل لو قلنا بوجوب جميع أفعاله على الأمة ولزمه