عمر بن أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أمه عن قبلة الصائم فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال لها أخبريه أني أقبل وأنا صائم فيدل ذلك على أن فعله عام وكذلك من الأدلة على ذلك قوله"صلوا كما رأيتموني أصلي""خذوا عني مناسككم"وكذلك ثبت في البخاري أن ابن جريج سأل ابن عمر فقال له يا أبا عبد الرحمن رأيتك تصنع أربعا لم أر من أصحابك يصنعها قال وما هي قال ابن جريج: لا تمس من الأركان إلا اليمانيين (الحجر الأسود والذي قبله) في الطواف وتلبس النعال السبتية وتصبغ بالصفرة وإذا كنت في مكة أهل الناس إذا رأوا الهلال ولم تهل حتى يكون يوم التروية فقال عبد الله: إني رأيت رسول الله يفعلها فاستدلال ابن عمر يدلل على أن الأصل في فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - عام للأمة وكذلك من الأدلة أنه من يُعَظم في الناس ومن كان كبيرا عالما في الناس فإن طباعهم أمرا مركوزا في مجاراته وحبه واتباعه والتأسي به ولذا من سنة الله التي لا تنفك عن الأفراد أن الصغير يحاكي الكبير والولد يحاكي الوالد والبنت تحاكي أمها والجاهل يحاكي العالم و الأمة المغلوبة تحاكي الأمة الغالبة ... ، وكذلك من الأشياء التي تدلل على الخاصية أن يفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلا وأن ينهى أمته عنه مثل: أمر لمن أسلم وتحته خمسة وبعضهم تحته عشرة من النسوة فقال: أمسك أربعا وفارق سائرهن وهذا منطوق دل على حرمة الزواج بأكثر من أربعة ولما رأينا النبي - صلى الله عليه وسلم - قد عقد ودخل بأكثر من أربع علمنا أن أكثر من أربع خاصا به، وكذلك أن يقع تعليل من قبله على فعل لا يتصور إلا أن يكون خاصا به كما ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يواصل اليومين والثلاثة في الصيام ونهى أمته عن هذه المواصلة وعلل ذلك بقوله إني أبيت عند ربي فيطعمني ويسقيني فهذا خاص به.
ملاحظة: قولنا أنا أحب الأكل لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يأكل ونعبد بذلك فهذا غير صحيح لأن أصل الأكل والنوم والشرب مثلا لأن هذا فعل جبلي اضطراري فلا بد للإنسان من طعام وشراب .. الخ وأما قولنا: أحب القرع لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يحبه وأحب الحلو البارد لأنه يحبه فهذا فعل جبلي اختياري الاقتداء به بنية الطاعة فيه أجر.
قررنا فيما مضى أن الترك فعل ومن بين التروك التي هي فعل السكوت فلو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا يفعل فعلا وسكت عنه فهذا شرع وكذلك قررنا أن السنة لها ثلاثة أقسام: قول وفعل وتقرير.
قول الماتن: يحمل على الوجوب (أي الفعل) عند بعض أصحابنا. هذا كلام نسب إلى ابن سريج من علماء الشافعية ونسب إلى ابن أبي هريرة وإلى أبي علي بن خيرون وإلى أبي سعيد الإصطخري وكلهم من علماء الشافعية وهو رواية عن أحمد واختاره ابن السمعاني.
مسألة: هل كل فعل للنبي - صلى الله عليه وسلم - يحمل على الوجوب؟ قال الله تعالى"وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا"
أولا نقرر الآتي: وما أتاكم أي ما أعطاكم، ما بلغكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا، هذه الآية تشمل كل الدين ومن نباهة الإمام الشافعي وحذقه ودقة فهمه أنه جلس ذات يوم في بيت الله الحرام وقال للناس: سلوني يا أهل مكة فما منكم من أحد يسأل سؤالا إلا و أجيبه عنه من القرآن الكريم (شيء عجيب ما من سؤال إلا والجواب من القرآن) فقام إليه رجل وقال: يا أبا عبد الله لقد قتلت زنبورا (جندب) فما جزائي من كتاب الله؟ فقرأ الإمام الشافعي قوله تعالى"وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا"ثم ذكر إسناده إلى العرباض بن سارية وذكر قول النبي - صلى الله عليه وسلم - عليكم بسنة الخلفاء المهديين الراشدين عضوا عليها بالنواجذ"ثم ذكر إسناده إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سئل عن رجل"