قال ابن تيمية: وفصل الخطاب أن لفظ النسخ مجمل فالسلف كانوا يستعملونه فيما يظن دلالة في الآية عليه إن كانت آية دلالتها على شيء مظنون فكانوا يسمونه نسخا من عموم أو إطلاق أو غير ذلك كما قال من قال إن قوله تعالى"اتقوا الله حق تقاته"و"جاهدوا في الله حق جهاده"نسخ بقوله تعالى"فاتقوا الله ما استطعتم"وفي الحقيقة أن هذا ليس نسخا لأنه لو أثبتنا"اتقوا الله حق تقاته"على أنها منسوخة والذي نسخها"اتقوا الله ما استطعتم"لأثبتنا التكليف بالمحال لأنه كلفنا شيئا فوق الاستطاعة وهو حق التقوى وهذا لا يقول به أحد ومن قال بجواز التكليف بالمحال أيضا اعتمد على هذا فوقع خلط في الكثير من الفروض بل في بعض المسائل الأصولية بسبب الغفلة عن تحرير وتحقيق معنى النسخ عند السلف , قال ابن تيمية: وليس بين الآيتين تناقض لكن قد يفهم بعض الناس من قوله حق تقاته وحق جهاده الأمر بما لا يستطيعه العبد فينسخ ما فهمه هذا كما ينسخ الله ما يلقي الشيطان ويحكم الله آياته وإن لم يكن نسخ ذلك بل نسخ ما أنزله الشيطان إما من الأنفس ومن الأسماع أو من اللسان وكذلك ينسخ الله ما يقع في النفوس من فهم معنى وإن كانت الآية لا تدل عليه لكنه معنى محتمل معنى قد يخطر في البال، كما خطر في بال الصحابة فمعنى النسخ أن الآية الثانية وضحت وبينت وأزالت ما قد يفهم خطأ من الآية فصار النسخ عند السلف معناه تخصيص العام وتقييد المطلق والشيء الذي قد يفهم على وجه خطأ ينسخ الله عز وجل المعنى هذا المحتمل الذي قد يلقى في النفوس فينسخه عز وجل بمعنى التبيين و التوضيح وإزالة الإجمال وتعيين المراد ولذا النسخ عند السلف أوسع من النسخ كاصطلاح أصولي.
قال: وكذلك ينسخ الله ما يقع في النفوس من فهم معنى وإن كانت الآية لم تدل عليه لكنه محتمل وهذه الآية من هذا الباب، معنى فنسخ الله": يعني أحكم الله تعالى ما يريد وبين ما يريد وأزال ما قد وقع في نفوس الصحابة من ظنهم أن الله تعالى قد كلفهم ما لا يقدرون أو ما لا يستطيعون فإن قوله"وإن تبدو ما في أنفسكم ..."الآية إنما تدل على أن الله يحاسب بما في النفوس لا على أنه يعاقب على كل ما في النفوس فالعمل القلبي قسمان؛ خواطر تهجم عليه فهذا غير مؤاخذ فيه وأشياء تحت قدرته ومكنته مكتسبة فهذا يؤاخذ عليه ويدل على ذلك حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - فهما في الأجر سواء، فهما في الوزر سواء من فعل ومن تمنى (من فعل فعلا قلبيا مكتسبا) قال فهما في الأجر سواء وهما في الوزر سواء .. الخ كلام ابن تيمية ... انظر الجزء 14 صفحة 101 من مجموع الفتاوى."
قامت اليوم عند بعض الكتاب فألف بعضهم كتابا سماه"لا نسخ في القرآن"وأنكر النسخ بالكلية وهذه نغمة خرجت من السوربون من فرنسا على ألسنة اليهود الجدد ورددها للأسف بعض المسلمين وتعلقوا بأشياء ما أنزل الله بها من سلطان ولم يقل أحد من علمائنا السابقين بمنع النسخ أعني المعتبرين وذكرنا سابقا أن الاجتهاد الذي ندعو إليه والذي نحث الطلبة عليه أن يعرفوا ما عليه أسلافنا وأن يتبعوهم وأن يكونوا متبعين غير مبتدعين وما كان دينا فهو دين وما لم يكن دينا فهو ليس بدين ويستحيل أن يصيب الحق في هذا الأمر الكلي شخص وأن نضلل شخصا أحب إلينا من أن نضلل جميع علمائنا السابقين من أتانا بشيء من هذا فأن نقول هو ضال أحب إلينا من أن نقول جميع علمائنا قد ضلوا.
أقول بعض الناس أنكر وقوع النسخ بالكلية ولم يؤثر هذا عن أحد من الأقدمين ولكن يذكر عن رجل من المعتزلة يكنى أبا مسلم الاصفهاني كان ينكر وقوع النسخ وعند المحاققة والمباحثة كما قال الشوكاني في إرشاد الفحول وهو يسمي النسخ باسم آخر هو يعترف بحقيقة النسخ لكن يسميه اسما آخر غير النسخ فإذن عاد الأمر إلى لا مشاحة في