الاصطلاح وأن نبقى نستخدم الاصطلاح الشائع عند العلماء أضبط وأحسن من أن نحدث اصطلاحا جديدا استدل أبو مسلم الاصفهاني على منع النسخ في النصوص من الكتاب والسنة بدليل نقلي وآخر عقلي وردده معه وتعلق به وتشبث به من ألف في هذا الباب من المعاصرين قال يقول الله عز وجل في سورة فصلت"وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد"فقال إن الله عز وجل بين ونفى عن كتابه إتيان الباطل فلو نسخ شيئا لكان باطلا وقالوا النسخ فيه عقيدة البداء أو البدو وهي العقيدة التي يقولها اليهود أي أن الله عز وجل ظهر له شيئا بعد أن خفي عليه فأمر بشيء ثم ظهر له أن الخير والصواب في خلافه فقالوا لو قلنا بجواز النسخ في الأخبار لقلنا بعقيدة البداء، وفي الحقيقة هذا كلام ساقط وليس بصحيح ورد العلماء على هذا المذهب بأن الباطل المذكور في القرآن هو الكذب وشتان بين الكذب والنسخ أو أن الباطل الوارد في الآية معناه منع الإبطال فلم يتقدمه ما يبطله ولن يلحقه ما يبطله فهو محكم بخلاف الشرائع السابقة فلو سلمنا إن النسخ فيه إبطال الحكم فالباطل غير الإبطال فلو سلمنا أن القرآن يبطل وفيه إبطال للحكم؛ الحكم السابق بحكم لاحق فهذا غير الباطل فالنسخ حق لا باطل فيه وإن كان فيه إبطال لحكم سبقه، ثم القول بالبداء هذا جهل فنقول إن الله لما أمر بالتكليف الأول أمرهم بما هو عالم أنه سيرفعه في وقت النسخ وإن لم يطلعنا عليه.
وجماهير أهل العلم جوزوا النسخ ووقوع النسخ في النصوص الشرعية بل نقل بعض الأصوليين الإجماع عليه فمثلا قال الباجي في كتابه"إحكام الفصول"قال كافة المسلمين على القول بجواز النسخ وقال أبو الخطاب الكلداني الحنبلي في كتابه التمهيد قال: يحسن نسخ الشرائع عقلا وسمعا وهو قول عامة الفقهاء والمتكلمين وقال الرازي في كتابه المحصول النسخ جائز عقلا ونقلا وسمعا وقال الكمال بن الهمام في كتابه التحرير أجمع أهل الشرائع على جواز وقوعه.
والأدلة على جواز وقوع النسخ كثيرة منها الدليل العقلي فالناس في اعتقاد أن أفعال الله عز وجل معللة أولا على قولين منهم من قال أن أفعال الله معللة ومنهم من قال أن الله أفعاله لا تقبل التعليل فعلى القول على أن أفعال لا تقبل التعليل فالله له أن يفعل ويأمر بما شاء فسقطت أصل المسألة وبالتالي الله عز وجل لا يسأل عما يفعل وهم يسألون فله سبحانه أن يأمر و أن ينهى بما شاء.
وعلى القول بأن أفعال الله تقبل التعليل فحينئذ يكون وقوع النسخ من أجل حكمة ومصلحة وذلك أن لله عز وجل شرائع وشريعة الإسلام كما أنها نسخت الشرائع السابقة فقد يقع في مفردات هذه الشريعة ما ينسخ بعضها بعضا فالكل دين والكل شرع فما الذي منع سابقا وما الذي جوّز سابقا ومنع لاحقا وكذلك الناس مختلفون بحسب خلاف الأزمنة ولكل زمان نوع من التدبير وحظ من اللطف و المصلحة تختص بزمان دون زمان وبأمة دون أمة وهذا المعنى فيه بيان أن الله يربي عباده ويؤدبهم وينقلهم من عمل إلى عمل فحينئذ النسخ عقلا ليس بممنوع.
أما الأدلة النقلية فقد التصريح بالنسخ في كتاب الله في قوله تعالى"ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها"فهذه الآية دلت بمنطوقها على أن الله عز وجل ينسخ آية ويأتي بمثلها أو بخير منها وهنا دلالة على تفاضل آيات القرآن ولا يلزم من الأفضلية القدح في المفضول وكذلك قول الله تعالى في سورة النحل"وإذا بدلنا آية مكان آية"فهاتان آيتان دلتا على جواز النسخ.