الصفحة 157 من 180

الناظر في أركان القياس يجد أن موضوع القياس هو اجتهاد؛ إلحاق غير المنصوص بالمنصوص فعاد أمره إلى حجية النصوص وقد يكون هذا الإلحاق صحيحا أو غير صحيح لذا يوجد قياس صحيح وقياس فاسد وقد يكون هذا الإلحاق واضح جلي فالعلة مجمع عليها ومنصوص عليها وقد تكون العلة مستنبطة ولذا يوجد قياس من حيث الظهور وعدمه فيوجد قياس جلي وقياس خفي.

ومما أعجبني في إعمال المعاني كلام بديع للإمام ابن القيم ذكره في عدة من كتبه ووظّف أمرين مهمين في إثبات أن الشريعة معللة؛ [فالأمر الأول] : الأمثال في القرآن الكريم فالناظر في هذه الأمثال يجد أن المثل عبارة عن مشبه ومشبه به ووجه جامع بينهما وهذا شبيه بالقياس فالقياس أصل وفرع وعلة ولذا ابن القيم قبل أن يتكلم عن القياس في كتابه إعلام الموقعين سرد جملة طيبة من أمثال القرآن وكذلك فعل في الرد على نفاة التعليل في كتابه مدارك السالكين وكتابه مفتاح دار السعادة.

فقال ابن القيم في مدارج السالكين ج: 1 ص: 240_ 242

وكم في القرآن من مثل عقلي وحسي ينبه به العقول على حسن ما أمر به وقبح ما نهى عنه فلو لم يكن في نفسه كذلك لم يكن لضرب الأمثال للعقول معنى ولكان إثبات ذلك بمجرد الأمر والنهي دون ضرب الأمثال وتبيين جهة القبح المشهودة بالحسن والعقل والقرآن مملوء لهذا لمن تدبره كقوله تعالى ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون يحتج سبحانه عليهم لما في عقولهم من قبح كون مملوك أحدهم شريكا له فإذا كان أحدكم يستقبح أن يكون مملوكه شريكه ولا يرضى بذلك فكيف تجعلون لي من عبيدي شركاء تعبدونهم كعبادتي وهذا يبين أن قبح عبادة غير الله تعالى مستقر في العقول والفطر والسمع نبه العقول وأرشدها إلى معرفة ما أودع فيها من قبح ذلك وكذلك قوله تعالى ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون احتج سبحانه على قبح الشرك بما تعرفه العقول من الفرق بين حال مملوك يملكه أرباب متعاسرون سيئو الملكة وحال عبد يملكه سيد واحد قد سلم كله له فهل يصح في العقول استواء حال العبدين فكذلك حال المشرك والموحد الذي قد سلمت عبوديته لإلهه الحق لا يستويان وكذلك قوله تعالى (2/ 264) ممثلا لقبح الرياء المبطل للعمل والمن والأذى المبطل للصدقات ب صفوان وهو الحجر الأملس عليه تراب غبار قد لصق به فأصابه مطر شديد فأزال ما عليه من التراب فتركه صلدا أملس لا شيء عليه وهذا المثل في غاية المطابقة لمن فهمه ف الصفوان وهو الحجر كقلب المرائي والمان والمؤذي والتراب الذي لصق به ما تعلق به من أثر عمله وصدقته والوابل المطر الذي به حياة الأرض فإذا صادفها لينة قابلة نبت فيها الكلأ وإذا صادف الصخور والحجارة الصم لم ينبت فيها شيئا فجاء هذا الوابل إلى التراب الذي على الحجر فصادفه رقيقا فأزاله فأفضى إلى حجر غير قابل للنبات وهذا يدل على أن قبح المن والأذى والرياء مستقر في العقول فلذلك نبهها على شبهه ومثاله وعكس ذلك قوله تعالى ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير فإن كانت هذه الجنة التي بموضع عال حيث لا تحجب عنها الشمس والرياح وقد أصابها مطر شديد فأخرجت ثمرتها ضعفي ما يخرج غيرها إن كانت مستحسنة في العقل والحس فكذلك نفقة من أنفق ماله لوجه الله لا لجزاء من الخلق ولا لشكور بل بثبات من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت