نفسه وقوة على الإنفاق لا يخرج النفقة وقلبه يرجف على خروجها ويداه ترتعشان ويضعف قلبه ويخور عند الإنفاق بخلاف نفقة صاحب التثبيت والقوة ولما كان الناس في الإنفاق على هذين القسمين كان مثل نفقة صاحب الإخلاص والقوة والتثبيت كمثل الوابل ومثل نفقة الآخر كمثل الطل وهو المطر الضعيف فهذا بحسب كثرة الإنفاق وقلته وكمال الإخلاص والقوة واليقين فيه وضعفه أفلا تراه سبحانه نبه العقول على ما فيها من استحسان هذا واستقباح فعل الأول وكذلك قوله أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تفكرون فنبه سبحانه العقول على ما فيها من قبح الأعمال السيئة التي تحبط ثواب الحسنات وشبهها بحال شيخ كبير له ذرية ضعفاء بحيث يخشى عليهم الضيعة وعلى نفسه وله بستان هو مادة عيشه وعيش ذريته فيه النخيل والأعناب ومن كل الثمرات فأرجى وأفقر ما هو له وأسر ما كان به إذ أصابه نار شديدة فأحرقته فنبه العقول على أن قبح المعاصي التي تغرق الطاعات كقبح هذه الحال وبهذا فسرها عمر وابن عباس رضي الله عنهم لرجل غني عمل بطاعة الله زمانا فبعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله ذكره البخاري في صحيحه أفلا تراه نبه العقول على قبح المعصية بعد الطاعة وضرب لقبحها هذا المثل ونفاة التعليل والأسباب والحكم وحسن الأفعال وقبحها يقولون ما ثم إلا محض المشيئة لا أن بعض الأعمال يبطل بعضا وليس فيها ما هو قبيح لعينه حتى يشبه بقبيح آخر وليس فيها ما هو منشأ لمفسدة أو مصلحة تكون سببا لها ولا لها علل غائية هي مفضية إليها وإنما هي متعلق المشيئة والإرادة والأمر والنهي فقط والفقهاء لا يمكنهم البناء على هذه الطريقة البتة فكلهم مجمعون إذا تكلموا بلسان الفقه على بطلانها إذ يتكلمون في العلل والمناسبات الداعية لشرع الحكم ويفرقون بين المصالح الخالصة والراجحة والمرجوحة والمفاسد التي هي كذلك ويقدمون أرجح المصلحتين على مرجحهما ويدفعون أقوى المفسدتين باحتمال أدناهما ولا يتم لهم ذلك إلا باستخراج الحكم والعلل ومعرفة المصالح والمفاسد الناشئة من الأفعال ومعرفة ربها. نهاية كلام ابن القيم
والشاهد من هذا الكلام أن الناظر في الأمثال يتأكد له أن الشريعة جاءت معللة وأن الله ما ضرب هذا المثل حتى نلتمس المعنى والعلة من وراء هذا المثل ولذا الأمثال كانت دقيقة جدا من نظر في المثل ودرسه دراسة عميقة ونظر في السياق و فيمن ضرب له والوجه الجامع بينهما يجد عجبا.
أقام ابن حزم كتابه الإحكام على أدلة منطقية كالبرهان الضروري والبرهان الحسي والعقلي وتوسع في ما يسمى البراءة الأصلية والاستصحاب فهرب من شيء ووقع في شيء. علماء الأصول استقرءوا النصوص فاصطلحوا على مصطلحات خاصة بهم أخذوها من خلال اللغة ومن خلال الاستقراء العقلي المنطقي ومن خلال النظر في النصوص والمعاني والعلل ووجدوا أن النصوص قد أطبقت على معنى واحد فصاغوا منها قواعد واصطلحوا على أسماء ولذا من الخطأ المناقشة في حجية علم أصول الفقه والتشديد على الألفاظ لأن في التركيز على الألفاظ والبحث عن دليل الألفاظ هو هدر للمعاني.
وقال ابن القيم في مدارج السالكين ج: 1 ص: 242
وكذلك الأطباء لا يصلح لهم علم الطب وعمله إلا بمعرفة قوى الأدوية والأمزجة والأغذية وطبائعها ونسبة بعضها إلى بعض ومقدار تأثير بعضها في بعض وانفعال بعضها عن بعض والموازنة بين قوة الدواء وقوة المرض وقوة المريض ودفع