الضد بضده وحفظ ما يريدون حفظه وعمله مبني على معرفة الأسباب والعلل والقوى والطبائع والخواص فلو نفوا ذلك وأبطلوه وأحالوا على محض المشيئة (كما نعلم أن المرض وما شابه هو ضمن مشيئة الله الكونية والنصوص الشرعية ضمن المشيئة الشرعية فعاملوا هذا مثل هذا) وصرف الإرادة المجردة عن الأسباب والعلل وجعلوا حقيقة النار مساوية لحقيقة الماء وحقيقة الدواء مساوية لحقيقة الغذاء ليس في أحدهما خاصية ولا قوة يتميز بها عن الآخر لفسد علم الطب ولبطلت حكمة الله فيه ... الخ كلامه قال الشيخ مشهور: فأنتم بنفي التعليل أفسدتم مصالح الأبدان وأفسدتم الأديان ولذا لابد ضرورة أن نعمل العلل وأن نفهم عن الله عز وجل مراده وأن نعرف متى نقف عند النص ومتى نتجاوزه إلى المعنى، والموائمة بين النص والمعنى هو علم الفقه وبهذا امتاز السلف الصالح عن غيرهم كانوا يحسنون متى يتجاوزون إلى المعنى ومتى يقفون عند اللفظ.
[الأمر الثاني] :الذي أكد عليه وهو من بديع استنباطه، وهو المنامات فالمنامات والرؤى تؤكد أن الشريعة معللة فتأويل الرؤى هو إعمال المعاني، الناظر في صنيع المعبرين المؤولين للأحلام يجد أن عندهم قواعد ومن بديع قوله رحمه الله قال بعد أن ذكر جملة من الأمثال: قد ضرب الله الأمثال وصرفها قدرا وشرعا ويقظة ومناما ودل عباده على الاعتبار بذلك وعبورهم من الشيء إلى نظيره واستدلهم بالنظير إلى النظير قال: بل هذا أصل عبارة الرؤيا (أن تقول عبرت عبرت انتقلت من مكان إلى مكان، والقياس انتقال من مكان إلى مكان، عبرت الرؤيا أنت نقلت معناها من حال إلى حال) التي هي جزء من أجزاء النبوة (جزء من ست وأربعين جزء وفي رواية جزء من بضع وسبعين جزء والإمام الطبري له كلام مطول جدا في تهذيب الآثار وهذا ثابت وهذا على حسب اقتداء النائم بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وبعضهم قال النبي - صلى الله عليه وسلم - مكث ستة أشهر يرى الرؤيا فتقع مثل فلق الصبح ثم مكث الفترة المتبقية(23 سنة) ينزل عليه الوحي فستة أشهر بالنسبة للفترة المتبقية جزء من ستة وأربعين جزء فمنهم من قال ست وأربعون ومنهم من حمل هذا الأمر وهذا في انفكاك أجزاء النبوة، والقرافي في البحر والفروق حاول يقول تتبعت حتى أوصلت بضع وعشرين خصلة وأنا في تتبع الباقي ولي فترة أتتبع الباقي وذكرها عنه الحافظ ابن حجر ورد هذا الكلام وما قبله. إذاً: تعبير المنام هو أصلا إعمال المعاني) ونوع من أنواع الوحي فإنها مبنية عن القياس والتمثيل واعتبار المعقول بالمحسوس ألا ترى أن الثبات في التأويل كالقمص تدل على الدين فما كان منها من طول أو قصر أو نظافة أو دنس فهو في الدين كما أول النبي - صلى الله عليه وسلم - القمص بالدين والعلم والقدر المشترك بينهما أن كلا منهما يستر صاحبه ويجمله فالدين يستر صاحبه ويجمله والثوب كذلك ولذا من رأى في المنام أن ثوبه طويل فهذا دلالة على حسن دين وكذا إن رآه نظيفا على خلاف ما لو رآه قصيرا أو وسخا فالقميص يستر بدنه والعلم والدين يستر روحه وقلبه ويجمله بين الناس ومن هذا تأويل اللبن بالفطرة لما في كل منهما من التغذية الموجبة للحياة وكمال للنشأة وأن الطفل إذا خلي وفطرته لم يعدل عن اللبن فهو مفطور على إيثاره على ما سواه وكذلك فطرة الإسلام التي فطر الله الناس عليها لذا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال جبريل: اخترت طعام الفطرة لما شرب اللبن وقدمه على الخمر والعسل ومن هذا ... .الخ كلامه
فالمؤولون في الحقيقة يعملون المعاني وعندهم فراسة ومعرفة في أحوال الرائي يصيبون بقوة نفس أولا أو بفراسة جيدة وبصدق فهذا المزيج (مهارة ومعرفة جيدة بحال الرائي مع معرفة القواعد) مثل الملكة كالفقيه فهو عنده ملكة بين نصوص وقواعد.