الصفحة 160 من 180

قال ابن القيم بكلام بديع في إعلام الموقعين عن أركان القياس إذ بين أركان القياس الأربعة في آية فقال: قوله تعالى"وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم من يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين"فهذا قياس جلي يقول سبحانه إن شئت أذهبتكم واستخلفت غيركم كما أذهبت من قبلكم واستخلفتكم فذكر أركان القياس الأربعة علة الحكم وهي عموم مشيئته وكمالها والحكم وهو إذهابه بهم وإتيانه بغير والأصل وهو من كان من قبل والفرع وهم المخاطبون.

القياس عملية اجتهادية فإن وقع الخطأ في أمثلة عديدة قد نجدها عند الأرائيين فهذا لا يلغي أصل القياس.

من الأدلة التي تثبت أن القياس حجة:

1 -قوله تعالى"فاعتبروا يا أولي الأبصار"وقالوا العبور الانتقال؛ الانتقال من سورة إلى سورة ومن قوم لقوم فإن حصل عند قوم أفعال فعاقبهم الله فعلينا أن نعتبر ومنه تؤخذ العبرة والعبرة الشيء الذي يسيل من العين أي الدمعة فالانتقال والعبور وهو الانتقال من مكان إلى مكان وأصل القياس انتقال وإلحاق شيء بشيء.

2 -قوله تعالى:"لقد أرسلنا رسلنا بالبينات و أنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط"فالميزان هو العدل والقياس الصحيح من الميزان فالميزان الذي يوزن فيه الشبيه بالشبيه والنظير بالنظير فتلحقه به فجعل التسوية بين المتماثلين والتفرقة بين المختلفين هو أصل عملية القياس ولذا جاءت أدلة عديدة على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها إلحاق النظير بالنظير منها حديث أبي ذر رضي الله عنه الذي فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما قال وفي بضع أحدكم صدقة قالوا يا رسول الله: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر فقال - صلى الله عليه وسلم - أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر، فهذا الحديث فيه إعمال معنى وكذلك الحديث الصحيح وهو حديث أبي هريرة يقول أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسول لي غلام أسود فقال له النبي هل لك من إبل قال نعم قال ما ألوانها قال حمر قال هل فيها من أورق قال نعم قال فأنى ذلك قال لعله نزعة عرق قال فلعل ابنك هذا نزعة عرق"فجعل ابنه مثل الإبل وهذا قياس، هذا إعمال معنى وكذلك حديث ابن عباس وفيه جاءت امرأة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقالت يا رسول الله إن أبي مات وعليه صوم نذر فأصوم عنه فقال - صلى الله عليه وسلم - أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان ينفعه قالت نعم قال فدين الله أحق أن يقضى"فجعل الصوم مثل قضاء الدين، بعض أهل العلم ألحق الصلاة بهذا وهذا الإلحاق ليس بصحيح لأن الصلاة عبادة محصورة بين وقتين والصوم والنذر عبادة غير محصورة والعبادة إن حصرت بين وقتين ففاتت لا تجب بالأمر الأول وإنما قضائها يحتاج إلى أمر جديد لكن العبادة غير المحصورة ففاتت تقضى بالأمر الأول لأن الشرع ما وضع لها حدا لذا ناسب أن يكون بين الصوم والنذر مشابهة وكذلك حديث عمر لما سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن القبلة للصائم قال"أرأيت لو تمضمضت"فجعل مقدمة شرب الماء المضمضة ومقدمة الجماع القبلة فكما أن المضمضة لا تفطر فالقبلة لا تفطر وأما حديث معاذ وفيه"اجتهد رأيي ولا آلو"هذا ضعيف

3 -كتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري ومما جاء فيه"وقايس الأمور عندك واعرف الأمثال"فعمر يرشد أبا موسى في قضائه أن يقايس بين الأمور وقال له واعرف الأشباه فيعرف الأشباه ليقيس عليها فإذاً القياس أمر معروف وقع في كتاب ربنا وعلى لسان نبينا وفي آثار الصحابة ولذا قال المزني: الفقهاء من عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت